فصل: سورة الفيل

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ***


سورة الضحى

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 11‏]‏

‏{‏وَالضُّحَى ‏(‏1‏)‏ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ‏(‏2‏)‏ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ‏(‏3‏)‏ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ‏(‏4‏)‏ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ‏(‏5‏)‏ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى ‏(‏6‏)‏ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ‏(‏7‏)‏ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ‏(‏8‏)‏ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ‏(‏9‏)‏ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ‏(‏10‏)‏ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ‏(‏11‏)‏‏}‏

تقدم تفسير ‏{‏الضحى‏}‏ بأنه سطوع الضوء وعظمه، وقال قتادة‏:‏ ‏{‏الضحى‏}‏ هنا، النهار كله، و‏{‏سجى‏}‏ معناه سكن، واستقر ليلاً تاماً، وقال بعض المفسرين ‏{‏سجى‏}‏ معناه أقبل، وقال آخرون‏:‏ معناه أدبر والأول أصح، ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الحارثي‏]‏‏:‏ ‏[‏الراجز‏]‏

يا حبذا القمراء والليل الساج *** وطرق مثل ملاء النساج

ويقال بحر ساج أي ساكن ومنه قول الأعشى‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

وما ذنبنا إن جاش بحر ابن عمكم *** وبحرك ساج لا يواري الدعامصا

وطرف ساج إذا كان ساكناً غير مضطرب النظر، وقرأ جمهور الناس «ودّعك» بشد الدال من التوديع، وقرأ عروة بن الزبير وابنه هشام «ودَعك» بتخفيف الدال من التوديع، وقرأ عروة بن الزبير وأبنه هشام «ودَعك» بتخفيف الدال بمعنى ترك، و‏{‏قلى‏}‏ معناه‏:‏ أبغض‏.‏ واختلف في سبب هذه الآية فقال ابن عباس وغيره‏:‏ أبطأ الوحي مرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة مدة اختلفت في حدها الروايات حتى شق ذلك عليه فجاءت امرأة من الكفار هي أم جميل امرأة أبي لهب، فقالت يا محمد‏:‏ ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فنزلت الآية بسبب ذلك‏.‏ وقال ابن وهب عن رجال عن عروة بن الزبير أن خديجة قالت له‏:‏ ما أرى الله إلا قد خلاك لإفراط جزعك لبطء الوحي عنك، فنزل الآية بسبب ذلك، وقال زيد بن أسلم‏:‏ إنما احتبس عنه جبريل لجرو كلب كان في بيته، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وللآخرة خير لك من الأولى‏}‏ يحتمل أن يريد الدارين الدنيا والآخرة، وهذا تأويل ابن إسحاق وغيره، ويحتمل أن يريد حاليه في الدنيا قبل نزول السورة وبعدها فوعده الله تعالى على هذا التأويل بالنصر والظهور، وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولسوف يعطيك ربك‏}‏ الآية، قال جمهور الناس‏:‏ ذلك في الآخرة، وقال بعضهم من أهل البيت هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرضى وأحد من أمته في النار، وروي أنه عليه السلام لما نزلت قال‏:‏ «إذاً لا أرضى وأحد من أمتي في النار»، وقال ابن عباس‏:‏ رضاه أن لا يدخل أحد من أهل بيته في النار، وقال ابن عباس أيضاً‏:‏ رضاه أن الله تعالى وعده بألف قصر في الجنة بما يحتاج إليه من النعم والخدم، وقال بعض العلماء رضاه في الدنيا بفتح مكة وغيره، وفي مصحف ابن مسعود‏:‏ «ولسيعطيك ربك فترضى»، ثم وقفه تعالى على المراتب التي رجه عنها بإنعامه ويتمه، كان فقد أبيه وكونه في كنف عمه أبي طالب، وقيل لجعفر بن محمد الصادق لم يتم النبي عليه السلام من أبويه، فقال لئلا يكون عليه حق لمخلوق، وقرأ الأشهب العقيلي «فأوى» بالقصر بمعنى رحم، تقول أويت لفلان أي رحمته، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ووجدك ضالاً‏}‏ أي وجده إنعامه بالنبوة والرسالة على غير الطريقة التي هو عليها في نبوته، وهذا قول الحسن والضحاك وفرقة، والضلال يختلف، فمنه القريب ومنه البعيد، فالبعيد ضلال الكفار الذين يعبدون الأصنام ويحتجون لذلك ويعتبطون به، وكان هذا الضلال الذي ذكره الله تعالى لنبيه عليه السلام أقرب ضلال وهو الكون واقفاً لا يميز المهيع لا أنه تمسك بطريق أحد بل كان يرتاد وينظر، وقال السدي‏:‏ أقام على أمر قومه أربعين سنة، وقيل معنى ‏{‏وجدك ضالاً‏}‏ أي تنسب إلى الضلال، وقال الكلبي ووجدك في قوم ضلال فكأنك واحد منهم‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعبد صنماً قط، ولكنه أكل ذبائحهم حسب حديث زيد بن عمرو في أسفل بارح وجرى على يسير من أمرهم وهو مع ذلك ينظر خطأ ما هم فيه ودفع من عرفات وخالفهم في أشياء كثيرة، وقال ابن عباس هو ضلاله وهو صغير في شعاب مكة، ثم رده الله تعالى إلى جده عبد المطلب، وقيل هو ضلاله من حليمة مرضعته، وقال الترمذي وعبد العزيز بن يحيى‏:‏ ‏{‏ضالاً‏}‏ معناه خامل الذكر لا يعرفك الناس فهداهم إليه ربك، والصواب أنه ضلال من توقف لا يدري كما قال عز وجل‏:‏ ‏{‏ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 52‏]‏ قال ثعلب قال أهل السنة‏:‏ هو تزويجه بنته في الجاهلية ونحوه، والعائل الفقير، وقرأ اليماني «عيَّلاً» بشد الياء المكسورة ومنه قول الشاعر ‏[‏أحيحة‏]‏‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

وما يدري الفقير متى غناه *** وما يدري الغني متى يعيل

وأعال‏:‏ كثر عياله، وعال‏:‏ افتقر، ومنه قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن خفتم عيلة‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 28‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأغنى‏}‏ قال مقاتل معناه رضاك بما أعطاك من الرزق، وقيل فقيراً إليه فأغناك به، والجمهور على أنه فقر المال وغناه، والمعنى في النبي صلى الله عليه وسلم أنه أغني بالقناعة والصبر وحببا إليه فقر الحال وغناه، وقيل أغني بالكفاف لتصرفه في مال خديجة ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قط كثير المال ورفعه الله عن ذلك، وقال‏:‏ «ليس الغنى عن كثرة العرض ولكنه غنى النفس»‏.‏ وكما عدد الله عليه هذه النعم الثلاث وصاه بثلاث وصايا في كل نعمة وصية مناسبة لها، فبإزاء قوله ‏{‏ألم يجدك يتيماً فآوى‏}‏ قوله ‏{‏فأما اليتيم فلا تقهر‏}‏، وبإزاء قوله ‏{‏ووجدك ضالاً فهدى‏}‏ قوله ‏{‏وأما السائل فلا تنهر‏}‏، هذا عليه قول من قال إن ‏{‏السائل‏}‏ هنا هو السائل عن العلم والدين وليس بسائل المال، وهو قول أبي الدرداء والحسن وغيره، وبإزاء قوله ‏{‏ووجدك عائلاً فأغنى‏}‏ قوله ‏{‏وأما بنعمة ربك فحدث‏}‏ ومن قال إن ‏{‏السائل‏}‏ هو سائل المحتاج وهو قول الفراء عن جماعة، ومعنى ‏{‏فلا تنهر‏}‏ جعلها بإزاء قوله ‏{‏ووجدك عائلاً فأغنى‏}‏، وجعل قوله ‏{‏وأما بنعمة ربك فحدث‏}‏ بإزاء قوله ‏{‏ووجدك ضالاً فهدى‏}‏، وقال إبراهيم بن أدهم نعم القول السؤال يجملون زادنا إلى الآخرة، ‏{‏فلا تنهر‏}‏ معناه‏:‏ فرد رداً جميلاً إما بعطاء وإما بقول حسن، وفي مصحف ابن مسعود «ووجدك عديماً فأغنى»، وقرأ ابن مسعود والشعبي وإبراهيم التيمي، «فأما اليتيم فلا تكهر» بالكاف، قال الأخفش هي بمعنى القهر، ومنه قول الأعرابي‏:‏ وقاكم الله سطوة القادر وملكة الكاهر، وقال أبو حاتم لا أظنها بمعنى القهر لأنه قد قال الأعرابي الذي بال في المسجد‏:‏ فأكهرني النبي صلى الله عليه وسلم فإنها هي بمعنى الإشهار وأمره الله تعالى بالتحدث بالنعمة، فقال مجاهد والكسائي‏:‏ معناه‏:‏ بث القرآن وبلغ ما أرسلت به، وقال آخرون بل هو عموم في جميع النعم، وكان بعض الصالحين يقول‏:‏ لقد أعطاني الله كذا وكذا، ولقد صليت البارحة كذا وذكرت الله كذا، فقيل له‏:‏ إن مثلك لا يقول هذا، فقال إن الله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏وإما بنعمة ربك بحدث‏}‏، وأنتم تقولون لا تحدث، وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏

سورة الشرح

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 8‏]‏

‏{‏أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ‏(‏1‏)‏ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ‏(‏2‏)‏ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ‏(‏3‏)‏ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ‏(‏4‏)‏ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ‏(‏5‏)‏ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ‏(‏6‏)‏ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ‏(‏7‏)‏ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ‏(‏8‏)‏‏}‏

عدد الله على نبيه صلى الله عليه وسلم نعمه عليه في أن شرح صدره للنبوة وهيأه لها، وذهب الجمهور إلى شرح الصدر المذكور هو تنويره بالحكمة وتوسيعه لتلقي ما يوحي إليه، وقال ابن عباس وجماعة‏:‏ هذه إشارة إلى شرحه بشق جبريل عنه في وقت صغره، وفي وقت الإسراء إذ التشريح شق اللحم، وقرأ أبو جعفر المنصور «ألم نشرحَ» بنصب الحاء على نحو قول الشاعر ‏[‏طرفة‏]‏‏:‏ ‏[‏المنسرح‏]‏

أضرب عنك الهموم طارقها *** ضربك بالسيف قونس الفرس

ومثله في نوادر أبي زيد‏:‏ ‏[‏الرجز‏]‏

من أي يومي من الموت أفر *** أيوم لم يقدر أم يوم قدر

كأنه قال‏:‏ «ألم نشرحن» ثم أبدل من النون ألفاً ثم حذفها تخفيفاً، وهي قراءة مردودة، و«الوزر» الذي وضعه الله عنه هو عند بعض المتأولين الثقل الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيرته قبل المبعث إذ كان يرى سوء ما قريش فيه من عبادة الأصنام‏.‏ وكان لم يتجه له من الله تعالى أمر واضح، فوضع الله تعالى عنه ذلك الثقل بنبوته وإرساله‏.‏ وقال أبو عبيدة وغيره المعنى‏:‏ خففنا عليك أثقال النبوة وأعناك على الناس، وقال قتادة وابن زيد والحسن وجمهور من المفسرين‏:‏ الوزر هنا، الذنوب، وأصله الثقل، فشبهت الذنوب به، وهذه الآية نظير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 2‏]‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية قبل النبوة وزره صحبة قومه وأكله من ذبائحهم ونحو هذا، وقال الضحاك‏:‏ وفي كتاب النقاش حضوره مع قومه المشاهد التي لا يحبها الله تعالى‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذه كلها ضمها المنشأ كشهوده حرب الفجار ينبل على أعماله وقلبه، وفي ذلك كله منيب إلى الصواب، وأما عبادة الأصنام فلم يلتبس بها قط، وقرأ أنس بن مالك «وحططنا عنك وزرك»، وفي حرف ابن مسعود «وحللنا عنك وقرك»‏.‏ وفي حرف أبي «وحططنا عنك وقرك»، وذكر أبو عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم صوب جميعها، وقال المحاسبي‏:‏ إنما وصفت ذنوب الأنبياء بالثقل، وهي صغائر مغفورة لهمهم بها وتحسرهم عليها، و‏{‏أنقض‏}‏ معناه جعله نقضاً، أي هزيلاً معيباً من الثقل، وقيل معناه أسمع له نقيضاً وهو الصوت، وهو مثل نقيض السفن وكل ما حملته ثقلاً فإنه ينتقض تحته، وقال عباس بن مرداس‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

وأنقض ظهري ما تطوقت مضهم *** وكنت عليهم مشفقاً متحننا

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ورفعنا لك ذكرك‏}‏ معناه، نوهنا باسمك، وذهبنا به كل مذهب في الأرض، وهذا ورسول الله بمكة، وقال أبو سعيد الخدري والحسن ومجاهد وقتادة‏:‏ معنى قوله ‏{‏ورفعنا لك ذكرك‏}‏ أي قرنا اسمك باسمنا في الأذان والخطب‏.‏

سورة التين

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 8‏]‏

‏{‏وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ‏(‏1‏)‏ وَطُورِ سِينِينَ ‏(‏2‏)‏ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ‏(‏3‏)‏ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ‏(‏4‏)‏ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ‏(‏5‏)‏ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ‏(‏6‏)‏ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ‏(‏7‏)‏ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ‏(‏8‏)‏‏}‏

اختلف الناس في معنى ‏{‏التين والزيتون‏}‏ اللذين أقسم الله تعالى بهما، فقال ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وإبراهيم وعطاء وجابر بن زيد ومقاتل‏:‏ هو ‏{‏التين‏}‏ الذي يؤكل ‏{‏والزيتون‏}‏ الذي يعصر، وأكل النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه تيناً أهدي إليه، فقال‏:‏ «لو قلت إن فاكهة أنزلت من الجنة لقلت هذه، لأن فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوا فإنه يقطع البواسير وينفع من النقرس»، وقال عليه السلام‏:‏ «نعم السواك سواك الزيتون ومن الشجرة المباركة هي سواكي وسواك الأنبياء قبلي»، وقال كعب وعكرمة‏:‏ القسم بمنابتها، وذلك أن ‏{‏التين‏}‏ ينبت بدمشق، ‏{‏والزيتون‏}‏ ينبت بإيلياء فأقسم الله تعالى بالأرضين، وقال قتادة‏:‏ هما جبلان بالشام، على أحدهما دمشق، وعلى الآخر بيت المقدس، وقال ابن زيد‏:‏ ‏{‏التين‏}‏ مسجد دمشق، ‏{‏والزيتون‏}‏ مسجد إلياء، وقال ابن عباس وغيره‏:‏ ‏{‏التين‏}‏ مسجد نوح ‏{‏والزيتون‏}‏ مسجد إبراهيم، وقيل ‏{‏التين والزيتون وطور سينين‏}‏، ثلاثة مساجد بالشام، وقال محمد بن كعب القرظي‏:‏ ‏{‏التين‏}‏ مسجد أصحاب الكهف، و‏{‏الزيتون‏}‏ مسجد إيلياء، وأما ‏{‏طور سينين‏}‏، فلم يختلف أنه جبل بالشام كلم الله عليه موسى، ومنه نودي، وفيه مسجد موسى فهو الطور، واختلف في قوله ‏{‏سينين‏}‏، فقال مجاهد وعكرمة‏:‏ معناه حسن مبارك، وقيل معناه ذو الشجر، وقرأ الجمهور بكسر السين «سِينين»، وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو رجاء بفتح السين وهي لغة بكر وتميم «سَينين»، وقرأ عمربن الخطاب وطلحة والحسن وابن مسعود‏:‏ «سِيناء» بكسر السين، وقرأ أيضاً عمر بن الخطاب‏:‏ «سَيناء» بالفتح، و‏{‏البلد الأمين‏}‏ مكة بلا خلاف، وقيل معنى ‏{‏سينين‏}‏‏:‏ المبارك، وقيل معنى ‏{‏سينين‏}‏‏:‏ شجر واحدتها سينية، قاله الأخفش سعيد بن مسعدة و«أمين»‏:‏ فعيل من الأمن بمعنى آمن أي آمن من فيه ومن دخله وما فيه من طير وحيوان، والقسم واقع على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم‏}‏ ينبغي له، ولا يدفع هذا أن يكون غيره من المخلوقات كالشمس وغيرها أحسن تقويماً منه بالمناسبة، وقال بعض العلماء بالعموم أي ‏{‏الإنسان‏}‏ أحسن المخلوقات تقويماً، ولم ير قوم الحنث على من حلف بالطلاق أن زوجته أحسن من الشمس، واحتجوا بهذه الآية، واختلف الناس في تقويم الإنسان ما هو‏؟‏ فقال النخعي ومجاهد وقتادة‏:‏ حسن صورته وحواسه، وقال بعضهم‏:‏ هو انتصاب قامته، وقال أبو بكر بن طاهر في كتاب الثعلبي‏:‏ هو عقله وإدراكه اللذان زيناه بالتمييز، وقال عكرمة‏:‏ هو الشباب والقوة، والصواب أن جميع هذا هو حسن التقويم إلا قول عكرمة، إذا قوله يفضل فيه بعض الحيوان، و‏{‏الإنسان‏}‏ هنا اسم الجنس، وتقدير الكلام في تقويم ‏{‏أحسن تقويم‏}‏، لأن ‏{‏أحسن‏}‏ صفة لا بد أن تجري على موصوف، واختلف الناس في معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم رددناه أسفل سافلين‏}‏، فقال عكرمة وقتادة والضحاك والنخعي‏:‏ معناه بالهرم وذهول العقل وتفلت الفكر حتى يصير لا يعلم شيئاً، أنا إن المؤمن مرفوع عنه القلم، والاستثناء على هذا منقطع وهذا قول حسن وليس المعنى أن كل إنسان يعتريه هذا بل في الجنس من يعتريه ذلك وهذه عبرة منصوبة، وقرأ ابن مسعود‏:‏ «السافلين» بالألف واللام، ثم أخبر أن ‏{‏الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏}‏ وإن نال بعضهم هذا في الدنيا ‏{‏فلهم‏}‏ في الآخرة ‏{‏أجر غير ممنون‏}‏، وقال الحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد وأبو العالية‏:‏ المعنى ‏{‏رددناه أسفل سافلين‏}‏ في النار على كفره ثم استثنى ‏{‏الذين آمنوا‏}‏ استثناء منفصلاً، فهم على هذا ليس فيهم من يرد أسفل سافلين في النار على كفره، وفي حديث عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

«إذا بلغ المؤمن خمسين سنة خفف الله تعالى حسابه، فإذا بلغ ستين رزقه الإنابة، فإذا بلغ السبعين أحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين كتبت حسناته وتجاوز الله عن سيئاته، فإذا بلغ تسعين غفرت ذنوبه وشفع في أهل بيته وكان أسير الله في أرضه، فإذا بلغ مائة ولم يعمل شيئاً كتب الله له ما كان يعمل في صحته ولم تكتب عليه سيئة‏.‏» وفي حديث «إن المؤمن إذا رد إلى أرذل العمر كتب الله له خير ما كان يعمله في قوته، وذلك أجر غير ممنون‏.‏» و‏{‏ممنون‏}‏ معناه‏:‏ محسوب مصَرِّد يمن عليهم، قاله مجاهد وغيره، وقال كثير من المفسرين معناه مقطوع من قولهم حبل منين، أي ضعيف منقطع، واختلف في المخاطب بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فما يكذبك بعد بالدين‏}‏ فقال قتادة والفراء والأخفش‏:‏ هو محمد عليه السلام، قال الله له‏:‏ فماذا الذي يكذبك فيما تخبر به من الجزاء والبعث وهو الدين بعد هذه العبر التي ويجب النظر فيها صحة ما قلت، ويحتمل أن يكون «الدين» على هذا التأويل جميع دينه وشرعه، وقال جمهور من المتأولين‏:‏ المخاطب الإنسان الكافر، أي ما الذي يجعلك كذاباً بالدين، تجعل له أنداداً، وتزعم أن لا بعث بعد هذه الدلائل، وقال منصور قلت لمجاهد‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فما يكذبك‏}‏ يريد به النبي صلى الله عليه وسلم قال معاذ الله يعني به الشاك، ثم وقف تعالى جميع خلقه على أنه ‏{‏أحكم الحاكمين‏}‏ على جهة التقرير، وروي عن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه السورة قال‏:‏ «بلى وأنا على ذلك من الشاهدين»‏.‏

سورة العلق

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 19‏]‏

‏{‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ‏(‏1‏)‏ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ‏(‏2‏)‏ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ‏(‏3‏)‏ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ‏(‏4‏)‏ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ‏(‏5‏)‏ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ‏(‏6‏)‏ أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ‏(‏7‏)‏ إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ‏(‏8‏)‏ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى ‏(‏9‏)‏ عَبْدًا إِذَا صَلَّى ‏(‏10‏)‏ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى ‏(‏11‏)‏ أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ‏(‏12‏)‏ أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ‏(‏13‏)‏ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ‏(‏14‏)‏ كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ ‏(‏15‏)‏ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ‏(‏16‏)‏ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ‏(‏17‏)‏ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ‏(‏18‏)‏ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ‏(‏19‏)‏‏}‏

في صحيح البخاري في حديث عائشة رضي الله عنها، قال‏:‏ أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه التحنث في غار حراء، فكان يخلو فيه فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد ثم ينصرف حتى جاءه الملك وهو في غار حراء، فقال له‏:‏ ‏{‏اقرأ‏}‏، فقال‏:‏ ما أنا بقارئ، قال‏:‏ فأخذني فغطني ثم كذلك ثلاث مرات، فقال له في الثالثة‏:‏ ‏{‏اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق‏}‏ إلى قوله ‏{‏ما لم يعلم‏}‏، قال فرجع بها رسول ترجف بوادره الحديث بطوله، ومعنى هذه الآية، ‏{‏اقرأ‏}‏ هذا القرآن ‏{‏باسم ربك‏}‏، أي ابدأ فعلك بذكر اسم ربك، كما قال‏:‏ ‏{‏اركبوا فيها بسم الله‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 41‏]‏ هذا وجه‏.‏ ووجه آخر في كتاب الثعلبي أن المعنى‏:‏ ‏{‏اقرأ‏}‏ في أول كل سورة، وقراءة بسم الله الرحمن الرحيم ووجه آخر أن يكون المقروء الذي أمر بقراءته هو ‏{‏باسم ربك الذي خلق‏}‏، كأنه قال له‏:‏ ‏{‏اقرأ‏}‏ هذا اللفظ، ولما ذكر الرب وكانت العرب في الجاهلية تسمي الأصنام أرباباً جاءه بالصفة التي لا شركة للأصنام فيها، وهي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذي خلق‏}‏، ثم مثل لهم من المخلوقات ما لا مدافعة فيه، وما يجده كل مفطور في نفسه، فقال‏:‏ ‏{‏خلق الإنسان من علق‏}‏، وخلقه الإنسان من أعظم العبر حتى أنه ليس في المخلوقات التي لدينا أكثر عبراً منه في عقله وإدراكه ورباطات بدنه وعظامه، والعلق جمع علقة، وهي القطعة اليسيرة من الدم، و‏{‏الإنسان‏}‏ هنا‏:‏ اسم الجنس، ويمشي الذهن معه إلى جميع الحيوان، وليست الإشارة إلى آدم، لأنه مخلوق من طين، ولم يكن ذلك متقرراً عند الكفار المخاطبين بهذه الآية، فلذلك ترك أصل الخلقة وسيق لهم الفرع الذي هم به مقرون تقريباً لأفهامهم، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏اقرأ وربك الأكرم‏}‏ على جهة التأنيس، كأنه يقول‏:‏ امض لما أمرت به وربك ليس كهذه الأرباب، بل هو الأكرم الذي لا يلحقه نقص، فهو ينصرك ويظهرك، ثم عدد تعالى نعمة الكتاب ‏{‏بالقلم‏}‏ على الناس وهي موضع عبرة وأعظم منفعة في المخاطبات وتخليد المعارف، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏علم الإنسان ما لم يعلم‏}‏ قيل‏:‏ المراد محمد عليه السلام، وقيل‏:‏ اسم الجنس وهو الأظهر، وعدد نعمته اكتساب المعارف بعد جهله بها، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كلا إن الإنسان ليطغى‏}‏ الآية نزلت بعد مدة من شأن أبي طهل بن هشام، وذلك أنه طغى لغناه ولكثرة من يغشى ناديه من الناس، فناصب رسول الله صلى الله عليه وسلم العداوة ونهاه عن الصلاة في المسجد، ويروى أنه قال‏:‏ لئن رأيت محمداً يسجد عند الكعبة لأطأن على عنقه، فيروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد عليه القول وانتهره وتوعده، فقال أبو جهل‏:‏ أيتوعدني، وما والي بالوادي أعظم ندياً مني، ويروى أيضاً أنه جاء النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فهمَّ بأن يصل إليه ويمنعه من الصلاة، ثم كع عنه وانصرف، فقيل له‏:‏ ما هذا‏؟‏ فقال‏:‏ لقد اعترض بيني وبينه خندق من نار، وهول وأجنحة، ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

«لو دنا مني لأخذته الملائكة عياناً» فهذه السورة من قوله‏:‏ ‏{‏كلا‏}‏ إلى آخرها نزلت في أبي جهل، و‏{‏كلا‏}‏‏:‏ هي رد على أقوال أبي جهل وأفعاله، ويتجه أن تكون بمعنى‏:‏ حقاً، فهي تثبيت لما بعدها من القول والطغيان‏:‏ تجاوز الحدود الجميلة، والغني‏:‏ مطغ إلا من عصم الله والضمير في ‏{‏رآه‏}‏ للإنسان المذكور، كأنه قال‏:‏ أن رأى نفسه غنياً، وهي رؤية قلب تقرب من العلم، ولذلك جاز أن يعمل فعل الفاعل في نفسه، كما تقول‏:‏ وجدتني وطننتني ولا يجوز أن تقول‏:‏ ضربتني، وقرأ الجمهور‏:‏ «أن رآه»، بالمد على وزن رعاه، واختلفوا في الإمالة وتركها، وقرأ ابن كثير من طريق قنبل‏:‏ «أن رأه»، على وزن رعه، على حذف لام الفعل وذلك تخفيف، ثم حقر غنى هذا الإنسان وما له بقوله‏:‏ ‏{‏إن إلى ربك الرجعى‏}‏ أي الحشر والبعث يوم القيامة، و‏{‏الرجعى‏}‏‏:‏ مصدر كالرجوع، وهو على وزن‏:‏ العقبى ونحوه، وفي هذا الخبر‏:‏ وعيد للطاغين من الناس، ثم صرح بذكر الناهي لمحمد عليه السلام، ولم يختلف أحد من المفسرين في أن الناهي‏:‏ أبو جهل، وأن العبد المصلي محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أرأيت‏}‏ توقيف وهو فعل لا يتعدى إلى مفعولين على حد الرؤية من العلم بل يقتصر به، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألم يعلم بأن الله يرى‏}‏ إكمال للتوبيخ والوعيد بحسب التوقيفات الثلاث يصلح مع كل واحد منهما فجاء بها في نسق ثم جاء بالوعيد الكافي لجميعها اختصاراً واقتضاباً، ومع كل تقرير من الثلاثة تكمله مقدرة تتسع العبارات فيها، وقوله‏:‏ ‏{‏ألم يعلم‏}‏ دال عليها مغن، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن كان‏}‏ يعني العبد المصلي، وقوله‏:‏ ‏{‏إن كذب وتولى‏}‏، يعني الإنسان الذي ينهى، ونسب الرؤية إلى الله تعالى بمعنى يدرك أعمال الجميع بإدراك‏:‏ سماه رؤية، والله منزه عن الجارحة وغير ذلك من المماثلات المحدثات، ثم توعد تعالى إن لم ينته بأن يؤخذ بناصيته فيجر إلى جهنم ذليلاً، تقول العرب‏:‏ سفعت بيدي ناصية الفرس، والرجل إذا جذبتها مذللاً له، قال عمرو بن معد يكرب‏:‏ ‏[‏الكامل‏]‏

قوم إذا سمعوا الصياح رأيتهم *** ما بين ملجم مهره أو سافع

فالآية على نحو قوله‏:‏ ‏{‏فيؤخذ بالنواصي والأقدام‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 41‏]‏ وقال بعض العلماء بالتفسير‏:‏ ‏{‏لنسفعاً‏}‏ معناه‏:‏ لنحرقن من قولهم سفعته النار إذا أحرقته، واكتفى بذكر الناصية لدلالتها على الوجه، وجاء ‏{‏لنسفعاً‏}‏ في خط المصحف بألف بدل النون، وقرأ أبو عمرو في رواية هارون‏:‏ «لنسفعن» مثقلة النون، وفي مصحف ابن مسعود‏:‏ «لأسفعن بالناصية ناصية كاذبة فاجرة»، وقرأ أبو حيوة‏:‏ «ناصيةً كاذبةً خاطئةً» بالنصب في الثلاثة، وروي عن الكسائي أنه قرأ بالرفع فيها كلها، والناصية مقدم شعر الرأس، ثم أبدل النكرة من المعرفة في قوله‏:‏ ‏{‏ناصية كاذبة‏}‏ ووصفها بالكذب والخطإ من حيث صفة لصاحبها، كما تقول‏:‏ يد سارقة، وقوله‏:‏ ‏{‏فليدع نادية‏}‏ إشارة إلى قول أبي جهل، وما بالوادي أكثر نادياً مني، والنادي والندى المجلس ومنه دار الندوة ومنه قول زهير‏:‏ ‏[‏الكامل‏]‏

سورة القدر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ‏(‏1‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ‏(‏2‏)‏ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ‏(‏3‏)‏ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ‏(‏4‏)‏ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ‏(‏5‏)‏‏}‏

الضمير في ‏{‏أنزلناه‏}‏ للقرآن وإن لم يتقدم ذكره لدلالة المعنى عليه، فقال ابن عباس وغيره‏:‏ أنزله الله تعالى ‏{‏ليلة القدر‏}‏ إلى السماء الدنيا جملة، ثم نجمه على محمد صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة، وقال الشعبي وغيره‏:‏ ‏{‏إنا‏}‏ ابتدأنا إنزال هذا القرآن إليك ‏{‏في ليلة القدر‏}‏، وقد روي أن نزول الملك في حراء كان في العشر الأواخر من رمضان، فيستقيم هذا التأويل وقد روي أنه قد نزل في الرابع عشر من رمضان، فلا يستقيم هذا التأويل إلا على قول من يقول إن ليلة القدر تستدير الشهر كله ولا تختص بالعشر الأواخر، وهو قول ضعيف، حديث النبي صلى الله عليه وسلم يرده في قوله‏:‏ «فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان» وقال جماعة من المتأولين معنى قوله‏:‏ ‏{‏إنا أنزلناه في ليلة القدر‏}‏ إنا أنزلنا هذه السورة في شأن ليلة القدر وفي فضلها، وإذا كانت السورة من القرآن جاء الضمير للقرآن تفخيماً وتحسيناً، فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏في ليلة‏}‏ هو قول عمر بن الخطاب‏:‏ لقد خشيت أن ينزل في قرآن ليلة نزول سورة الفتح، ونحو قول عائشة في حديث الإفك‏:‏ لأنا أحقر في نفسي من أن ينزل في قرآن، و‏{‏ليلة القدر‏}‏‏:‏ هي ليلة خصها الله تعالى بفضل عظيم وجعلها أفضل ‏{‏من ألف شهر‏}‏، لا ليلة قدر فيها، وقاله مجاهد وغيره، وخصت هذه الأمة بهذه الفضيلة لما رأى محمد عليه السلام أعمال أمته فتقاصرها، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما أدراك ما ليلة القدر‏}‏ ليلة القدر عبارة عن تفخيم لها، ثم أدراه تعالى بعد قوله‏:‏ ‏{‏ليلة القدر خير‏}‏، قال ابن عيينة في صحيح البخاري ما كان في القرآن‏:‏ ‏{‏وما أدراك‏}‏ فقد أعلمه، وما قال‏:‏ «وما يدريك» فإنه لم يعلم، وذكر ابن عباس وقتادة وغيره‏:‏ أنها سميت ليلة القدر، لأن الله تعالى يقدر فيها الآجال والأرزاق وحوادث العالم كلها ويدفع ذلك إلى الملائكة لتمتثله، وقد روي مثل هذا في ليلة النصف من شعبان، ولهذا ظواهر من كتاب الله عز وجل على نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فيها يفرق كل أمر حكيم‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 4‏]‏، وأما الصحة المقطوع بها فغير موجودة، وقال الزهري معناه‏:‏ ليلة القدر العظيم والشرف الشأن، من قولك‏:‏ رجل له قدر، وقال أبو بكر الوراق‏:‏ سميت ليلة القدر لأنها تسب من أحياها قدراً عظيماً لم يكن من قبل، وترده عظيماً عند الله تعالى، وقيل سميت بذلك لأن كل العمل فيها له قدر خطير، وليلة القدر مستديرة في أوتار العشر الأواخر من رمضان، هذا هو الصحيح المعول عليه، وهي في الأوتار بحسب الكمال والنقصان في الشهر، فينبغي لمرتقبها أن يرتقبها من ليلة عشرين في كل ليلة إلى آخر الشهر، لأن الأوتار مع كمال الشهر، ليست الأوتار مع نقصانه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

«الثالثة تبقى لخامسة تبقى، لسابعة تبقى»، وقال‏:‏ «التمسوها في الثالثة والخامسة والسابعة والتاسعة»، وقال مالك‏:‏ يريد بالتاسعة ليلة إحدى وعشرين، وقال ابن حبيب‏:‏ يريد مالك إذا كان الشهر ناقصاً، فظاهر هذا أنه عليه السلام احتاط في كمال شهر ونقصانه، وهذا لا تتحصل معه الليلة إلا بعمارة العشر كله، وروي عن أبي حنيفة وقوم‏:‏ أن ليلة القدر رفعت، وهذا قول مردود، وإنما رفع تعيينها، وقال ابن مسعود‏:‏ من يقم السنة كلها يصبها، وقال أبو رزين هي أول ليلة من شهر رمضان، وقال الحسن‏:‏ هي ليلة سبع عشرة، وهي التي كانت في صبيحتها وقعة بدر، وقال كثير من العلماء‏:‏ هي ليلة ثلاثة وعشرين، وهي رواية عبد الله بن أنيس الجهني، وقاله ابن عباس، وقال أيضاً وهو وجماعة من الصحابة‏:‏ هي ليلة سبع وعشرين، واستدل ابن عباس على قوله بأن الإنسان خلق من سبع وجعل رزقه في سبع، واستحسن ذلك عمر رضي الله عنه، وقال زيد بن ثابت وبلال‏:‏ هي ليلة أربع عشرين، وقال بعض العلماء‏:‏ أخفاها الله تعالى عن عباده ليجدوا في العمل ولا يتكلوا على فضلها ويقصروا في غيرها، ثم عظم تعالى أمر ليلة القدر على نحو قوله‏:‏ ‏{‏وما أدراك ما الحاقة‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 2‏]‏ وغير ذلك، ثم أخبر أنها أفضل لمن عمل فيها عملاً ‏{‏من ألف شهر‏}‏، وهي ثمانون سنة وثلاثة أعوام وثلث عام‏.‏ وروي عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما أنه قال حين عوتب في تسليمه الأمر لمعاوية‏:‏ إن الله تعالى أرى نبيه في المنام بني أمية ينزون على منبره نزو القردة، فاهتم لذلك فأعطاه الله ليلة القدر، وهي خير من مدة ملك بني أمية، وأعلمه أنهم يملكون الناس هذا القدر من الزمان‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ثم كشف الغيب أن كان من سنة الجماعة إلى قتل مروان الجعدي هذا القدر من الزمان بعينه مع أن القول يعارضه أنه قد ملك بنو أمية في غرب الأرض مدة غير هذه، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من قام ليلة القدر إيماناًَ واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» و‏{‏الروح‏}‏ هو جبريل وقيل‏:‏ هم صنف حفظة الملائكة وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بإذن ربهم من كل أمر‏}‏ اختلف الناس في معناه، فمن قال إن في هذه الليلة تقدر الأمور للملائكة قال‏:‏ إن هذا التنزل لذلك، و‏{‏من‏}‏ لابتداء الغاية أي نزولهم من أجل هذه الأمور المقدرة وسببها، ويحيء ‏{‏سلام‏}‏ خبراً بنداء مستأنفاً أي سلام هذه الليلة إلى أول يومها، وهذا قول نافع المقرئ والفراء وأبي العالية، وقال بعضهم ‏{‏من‏}‏ بمعنى الباء أي بكل أمر، ومن لم يقل بقدر الأمور في تلك الليلة قال معنى الآية ‏{‏تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم‏}‏ بالرحمة والغفران والفواضل، ثم جعل قوله ‏{‏من كل أمر‏}‏ متعلقاً بقوله‏:‏ ‏{‏سلام هي‏}‏ أي من كل مخوف ينبغي أن يسلم منه فهي سلام، وقال مجاهد‏:‏ لا يصيب أحداً فيها داء، وقال الشعبي ومنصور‏:‏ ‏{‏سلام‏}‏ بمعنى التحية أي تسلم الملائكة على المؤمنين، وقرأ ابن عباس وعكرمة والكلبي‏:‏ «من كل امرئ» أي يسلم فيها من كل امرئ سوء، فهذا على أن سلاماً بمعنى سلامة، وروي عنه أن سلاماً بمعنى تحية، «وكل امرئ» يراد بهم الملائكة أي من كل ملك تحية على المؤمنين، وهذا للعاملين فيها بالعبادة، وذهب من يقول بانتهاء الكلام في قوله‏:‏ ‏{‏سلام‏}‏ إلى أن قوله ‏{‏هي‏}‏ إنما هذا إشارة إلى أنها ليلة سبع وعشرين من الشهر، إذ هذه الكلمة هي السابعة والعشرون من كلمات السورة، وذكر هذا الغرض ابن بكير وأبو بكر الوراق والنقاش عن ابن عباس، وقرأ جمهور السبعة‏:‏ «حتى مطلَع الفجر» بفتح اللام، وقرأ الكسائي والأعمش وأبو رجاء وابن محيصن وطلحة‏:‏ «حتى مطلِع» بكسر اللام، فقيل هما بمعنى مصدران في لغة بني تميم، وقيل الفتح المصدر والكسر موضع الطلوع عند أهل الحجاز، والقراءة بالتفح أوجه على هذا القول، والأخرى تتخرج على تجوز كان الوقت ينحصر في ذلك الموضع ويتم فيه، ويتجه الكسر على وجه آخر، وهو أنه قد شذ من هذه المصادر ما كسر كالمعجزة، وقولهم علاه المكبر بفتح الميم وكسر الباء، ومنه المحيض فيجري المطلع مصدراً مجرى ما شذ، وفي حرف أبيّ بن كعب رضي الله عنه‏:‏ «سلام هي إلى مطلع الفجر»‏.‏

سورة البينة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ‏(‏1‏)‏ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً ‏(‏2‏)‏ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ‏(‏3‏)‏ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ‏(‏4‏)‏ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ‏(‏5‏)‏‏}‏

وفي حرف أبي بن كعب‏:‏ «ما كان الذين»، وفي حرف ابن مسعود‏:‏ «لم يكن المشركين وأهل الكتاب منفكين» وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏منفكين‏}‏ معناه منفصلين متفرقين، تقول انفك الشيء عن الشيء إذا انفصل عنه، وما انفك التي هي من أخوات كان لا مدخل بها في هذه الآية، ونفى في هذه الآية أن تكون هذه الصنيعة منفكة، واختلف الناس عماذا، فقال مجاهد وغيره‏:‏ لم يكونوا ‏{‏منفكين‏}‏ عن الكفر والضلال حتى جاءتهم البينة، وأوقع المستقبل موضع الماضي في ‏{‏تأتيهم‏}‏، لأن باقي الآية وعظمها لم يرده بعد، وقال الفراء وغيره‏:‏ لم يكونوا ‏{‏منفكين‏}‏ عن معرفة صحة نبوة محمد عليه السلام، والتوكف لأمره حتى جاءتهم البينة تفرقوا عند ذلك، وذهب بعض النحويين إلى هذا النفي المتقدم مع ‏{‏منفكين‏}‏ يجعلها تلك التي هي مع كان، ويرى التقدير في خبرها عارفين أمر محمد أو نحو هذا، ويتجه في معنى الآية قول ثالث بارع المعنى، وذلك أن يكون المراد لم يكن هؤلاء القوم ‏{‏منفكين‏}‏ من أمر الله تعالى وقدرته ونظره لهم حتى يبعث إليهم رسولاً منذراً تقوم عليهم به الحجة، وتتم على من آمن النعمة، فكأنه قال‏:‏ ما كانوا ليتركوا سدى وبهذا المعنى نظائر في كتاب الله تعالى، وقرأ بعض الناس‏:‏ «والمشركون» بالرفع، وقرأ الجمهور‏:‏ «والمشركين» بالخفض ومعناهما بين، و‏{‏البينة‏}‏ معناه‏:‏ القصة البينة والجلية، والمراد محمد عليه السلام، وقرأ الجمهور‏:‏ «رسولُ الله» بالرفع وقرأ أبي‏:‏ «رسولاً» بالنصب على الحال، والصحف المطهرة‏:‏ القرآن في صحفه، قاله الضحاك وقتادة، وقال الحسن والصحف المطهرة في السماء، وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فيها كتب قيمة‏}‏ فيه حذف مضاف تقديره فيها أحكام كتب وقيمة‏:‏ معناه قائمة معتدلة آخذة للناس بالعدل وهو بناء مبالغة، فإلى ‏{‏قيمة‏}‏ هو ذكر من آمن من الطائفتين، ثم ذكر تعالى مذمة من لم يؤمن من أهل الكتاب من بني إسرائيل من أنهم لم يتفرقوا في أمر محمد إلا من بعد ما رأوا الآيات الواضحة، وكانوا من قبل مصفقين على نبوته وصفته، فلما جاء من العرب حسدوه، وقرأ جمهور الناس‏:‏ «مخلِصين» بكسر اللام، وقرأ الحسن بن أبي الحسن‏:‏ «مخلَصين» بفتح اللام، وكأن ‏{‏الدين‏}‏ على هذه القراءة منصوب ب ‏{‏بعد‏}‏ أو بمعنى يدل عليه على أنه كالظرف أو الحال، وفي هذا نظر، وقيل لعيسى عليه السلام‏:‏ من المخلص لله‏؟‏ قال الذي يعمل العمل لله ولا يحب أن يحمده الناس عليه، و‏{‏حنفاء‏}‏‏:‏ جمع حنيف وهو المستقيم المائل إلى طرق الخير، قال ابن جبير‏:‏ لا تسمي العرب حنيفاً إلا من حج واختتن، وقال ابن عباس‏:‏ ‏{‏حنفاء‏}‏‏:‏ حجاجاً مسلمين، و‏{‏حنفاء‏}‏ نصب على الحال، وكون ‏{‏الصلاة‏}‏ مع ‏{‏الزكاة‏}‏ في هذه الآية مع ذكر بني إسرائيل إنما دفع لمناقضة أهل الكتاب بالمدينة، وقرأ الجمهور‏:‏ «وذلك دين القيمة» على معنى الجماعة القيمة أو الفرقة القيمة، وقال محمد بن الأشعث الطالقاني‏:‏ هنا الكتب التي جرى ذكرها، وقرأ بعض الناس‏:‏ «وذلك الدين القيمة»، فالهاء في «القيمة» على هذه القراءة كعلامة ونسابة، ويتجه ذلك أيضاً على أن يجعل ‏{‏الدين‏}‏ بمنزلة الملة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 8‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ‏(‏6‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ‏(‏7‏)‏ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ‏(‏8‏)‏‏}‏

حكم الله في هذه الآية بتخليد الكافرين من ‏{‏أهل الكتاب والمشركين‏}‏ وهم عبدة الأوثان في النار وبأنهم ‏{‏شر البريّة‏}‏، و‏{‏البريّة‏}‏ جميع الخلق لأن الله تعالى برأهيم أو أوجدهم بعد العدم، وقرأ نافع وابن عامر والأعرج‏:‏ «البريئة» بالهمز من برأ، وقرأ الباقون والجمهور‏:‏ «البريّة» بشد الياء بغير همز على التسهيل، والقياس الهمز إلا أن هذا مما ترك همزة كالنبي والذرية، وقرأ بعض النحويين‏:‏ «البرية» مأخوذ من البراء وهو التراب، وهذا الاشتقاق يجعل الهمز خطأ وغطاً وهو اشتقاق غير مرضي، و‏{‏الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏}‏ شروط جميع أمة محمد، ومن آمن بنبيه من الأمم الماضية، وقرأ بعض الناس «خير»‏.‏

وقرأ بعض قراء مكة‏:‏ «خيار» بالألف، وروي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ هذه الآية‏:‏ «أولئك هم خير البريئة»‏.‏

ثم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه «أنت يا علي وشيعتك من خير البرية»، ذكره الطبري، وفي الحديث‏:‏ أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «يا خير البرية»، فقال له‏:‏ ذلك إبراهيم عليه السلام، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار‏}‏ فيه حذف مضاف تقديره سكنى ‏{‏جنات عدن‏}‏ أو دخول ‏{‏جنات عدن‏}‏، والعدن الإقامة والدوام، عدن بالموضع أقام فيه، ومنه المعدن لأنه رأس ثابت، وقال ابن مسعود‏:‏ ‏{‏جنات عدن‏}‏ بطنان الجنة أي سوطها، وقوله‏:‏ ‏{‏رضي الله عنهم ورضوا عنه‏}‏ قيل ذلك في الدنيا، ورضاه عنهم هو ما أظهره عليهم من أمارات رحمته وغفرانه، ورضاهم عنه‏:‏ هو رضاهم بجميع ما قسم لهم من جميع الأرزاق والأقدار‏.‏ قال بعض الصالحين‏:‏ رضى العباد عن الله رضاهم بما يرد من أحكامه، ورضاه عنهم أن يوفقهم للرضى عنه، وقال أبو بكر بن طاهر‏:‏ الرضى عن الله خروج الكراهية عن القلب حتى لا يكون إلا فرح وسرور، وقال السري السقطي‏:‏ إذا كنت لا ترضى عن الله فكيف تطلب منه الرضا عنك‏؟‏ وقيل ذلك في الآخرة، فرضاهم عنه رضاهم بما من به عليهم من النعم، ورضاهم عنه هو ما روي أن الله تعالى يقول لأهل الجنة‏:‏ هل رضيتم بما أعطيتكم‏؟‏ فيقولون‏:‏ نعم ربنا وكيف لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من العالمين، فيقول‏:‏ أنا أعطيكم أفضل من كل ما أعطيتكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً، وخص الله بالذكر أهل الخشية لأنها رأس كل بركة الناهية عن المعاصي الآمرة بالمعروف‏.‏

سورة الزلزلة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 8‏]‏

‏{‏إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ‏(‏1‏)‏ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ‏(‏2‏)‏ وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا ‏(‏3‏)‏ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ‏(‏4‏)‏ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ‏(‏5‏)‏ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ‏(‏6‏)‏ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ‏(‏7‏)‏ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ‏(‏8‏)‏‏}‏

العامل في‏:‏ ‏{‏إذا‏}‏ على قول جمهور النحاة وهو الذي يقتضيه القياس فعل مضمر يقتضيه المعنى وتقديره‏:‏ تحشرون أو تجازون، ونحو هذا، ويمتنع أن يعمل فيه ‏{‏زلزلت‏}‏ لأن ‏{‏إذا‏}‏ مضافة إلى ‏{‏زلزلت‏}‏، ومعنى الشرط فيها ضعيف وقال بعض النحويين‏:‏ يجوز أن يعمل فيها ‏{‏زلزلت‏}‏، لأن معنى الشرط لا يفارقها، وقد تقدمت نظائرها في غير سورة، و‏{‏زلزلت‏}‏ معناه‏:‏ حركت بعنف، ومنه الزلزال، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏زلزالها‏}‏ أبلغ من قوله‏:‏ زلزال، دون إضافة إليها، وذلك أن المصدر غير مضاف يقع على كل قدر من الزلزال وإن قل، وإذا أضيفت إليها وجب أن يكون على قدر ما يستحقه ويستوجبه جرمها وعظمها، وهكذا كما تقول‏:‏ أكرمت زيداً كرامة فذلك يقع على كل كرامة وإن قلت بحسب زيد، فإذا قلت كرامته أوجبت أنك قد وفيت حقه، وقرأ الجمهور‏:‏ «زِلزالها» بكسر الزاي الأولى، وقرأ بفتحها عاصم الجحدري، وهو أيضاً مصدر كالوسواس وغيره‏.‏ و«الأثقال»‏:‏ الموتى الذين في بطنها قاله ابن عباس، وهذه إشارة إلى البعث، وقال قوم من المفسرين منهم منذر بن سعيد الزجاج والنقاش‏:‏ أخرجت موتاها وكنوزها‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وليست القيامة موطناً لإخراج الكنوز، وإنما تخرج كنوزها وقت الدجال، و«قول الإنسان ما لها» هو قول على معنى التعجب من هول ما يرى، قال جمهور المفسرين‏:‏ ‏{‏الإنسان‏}‏ هنا يراد به الكافر، هذا متمكن لأنه يرى ما لم يظن به قط ولا صدقه، وقال بعض المتأولين هو عام في المؤمن والكافر، فالكافر على ما قدمناه، والمؤمن وإن كان قد آمن بالبعث فإنه استهول المرأى، وقد قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ليس الخبر كالمعاينة» و«أخبار الأرض» قال ابن مسعود والثوري والثوري وغيره‏:‏ هو شهادتهما بما عمل عليها من عمل صالح أو فاسد، فالحديث على هذا حقيقة، والكلام بإدراك وحياة يخلقها الله تعالى، وأضاف الأخبار إليها من حيث وعتها وحصلتها، وانتزع بعض العلماء من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تحدث أخبارها‏}‏ أن قول المحدث‏:‏ حدثنا وأخبرنا سواء، وقال الطبري وقوم‏:‏ التحديث في الآية مجاز، والمعنى أن تفعله بأمر الله من إخراج أثقالها وتفتت أجزائها وسائر أحوالها هو بمنزلة التحديث بأنبائها وأخبارها، ويؤيد القول الأول قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة»، وقرأ عبد الله بن مسعود‏:‏ «تنبئ أخبارها»، وقرأ سعيد بن جبير‏:‏ «تبين» وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بأن ربك أوحى لها‏}‏ الباء باء السبب، وقال ابن عباس وابن زيد والقرظي المعنى‏:‏ ‏{‏أوحى لها‏}‏، وهذا الوحي على هذا التأويل يحتمل أن يكون وحي إلهام، ويحتمل أن يكون وحياً برسول من الملائكة، وقد قال الشاعر‏:‏

أوحى لها القرار فاستقرت *** وشدها بالراسيات الثبت

والوحي في كلام العرب إلقاء المعنى إلقاء خفياً، وقال بعض المتأولين‏:‏ ‏{‏أوحى لها‏}‏ معناه‏:‏ ‏{‏أوحى‏}‏ إلى ملائكته المصرفين أن تفعل في الأرض تلك الأفعال، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لها‏}‏ بمعنى‏:‏ من أجلها ومن حيث الأفعال فيها فهي لها، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يومئذ يصدر الناس أشتاتاً‏}‏ بمعنى‏:‏ يتصرفون موضع وردهم مختلفي الأحوال وواحد الأشتات‏:‏ شت، فقال جمهور الناس‏:‏ الورد، هو الكون في الأرض بالموت والدفن، والصدر‏:‏ هو القيام للبعث، و‏{‏أشتاتاً‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ قوم مؤمنون وقوم كافرون، وقوم عصاة مؤمنون، والكل سائر إلى العرض ليرى عمله، ويقف عليه، وقال النقاش‏:‏ الورد هو ورد المحشر، والصدر ‏{‏أشتاتاً‏}‏‏:‏ هو صدر قوم إلى الجنة، وقوم إلى النار، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليروا أعمالهم‏}‏ إما أن يكون معناه جزاء أعمالهم يراه أهل الجنة من نعيم وأهل النار بالعذاب، وإما أن يكون قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليروا أعمالهم‏}‏ متعلقاً بقوله‏:‏ ‏{‏بإن ربك أوحى لها‏}‏، ويكون قوله‏:‏ ‏{‏يومئذ يصدر الناس أشتاتاً‏}‏ اعتراضاً بين أثناء الكلام، وقرأ جمهور الناس‏:‏ «ليُروا»، بضم الياء على بناء الفاعل للمفعول، وقرأ الحسن والأعرج وحماد بن سلمة والزهري وأبو حيوة‏:‏ «ليَروا» بفتح الياء على بنائه للفاعل، ثم أخبر تعالى أنه من عمل عملاً رآه قليلاً كان أو كثيراً، فخرجت العبارة عن ذلك بمثال التقليل، وهذا هو الذي يسميه أهل الكلام مفهوم الخطاب، وهو أن يكون المذكور والمسكوت عنه في حكم واحد، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا تقل لهما أف‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 23‏]‏، وهذا كثير، وقال ابن عباس وبعض المفسرين‏:‏ رؤية هذه الأعمال هي في الآخرة، وذلك لازم من لفظ السورة وسردها، فيرى الخير كله من كان مؤمناً، والكافر لا يرى في الآخرة خيراً، لأن خيره قد عجل له في الدنيا، وكذلك المؤمن أيضاً تعجل له سيئاته الصغار في دنياه في المصائب والأمراض ونحوها فيجيء من مجموع هذا أن من عمل من المؤمنين ‏{‏مثقال ذرة‏}‏ من خير أو شر رآه، ويخرج من ذلك أن لا يرى الكافر خيراً في الآخرة، ومنه حديث عائشة رضي الله عنها، قالت‏:‏ قلت يا رسول الله‏:‏ أرأيت ما كان عبد الله بن جدعان يفعله نم البر وصلة الرحم وإطعام الطعام، ألَهُ في ذلك أجر‏؟‏ قال‏:‏ «لا، لأنه لم يقل قط رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسمي هذه الآية الجامعة الفادة، وقد نص على ذلك حين سئل عن الحمر الحديث، وأعطى سعد بن أبي وقاص سائلاً ثمرتين فقبض السائل يده فقال له سعد‏:‏ ما هذا‏؟‏ إن الله تعالى قبل منا مثاقيل الذر وفعلت نحو هذا عائشة في حبة عنب وسمع هذه الآية صعصعة بن عقال التيمي عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ حسبي لا أبالي أن لا أسمع غيرها، وسمعها رجل عند الحسن، فقال‏:‏ انتهت الموعظة، فقال الحسن‏:‏ فقه الرجل، وقرأ هشام عن ابن عامر وأبو بكر عن عاصم‏:‏ «يره»، بسكون الهاء في الأولى والأخيرة، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي ونافع فيما روى عنه ورش والحلواني عن قالون عنه في الأولى «ير هو» وأما الآخرة فإنه سكون وقف، وأما من أسكن الأولى فهي على لغة من يخفف أمثال هذا ومنه قول الشاعر‏:‏

سورة العاديات

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 11‏]‏

‏{‏وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ‏(‏1‏)‏ فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ‏(‏2‏)‏ فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا ‏(‏3‏)‏ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ‏(‏4‏)‏ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ‏(‏5‏)‏ إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ‏(‏6‏)‏ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ‏(‏7‏)‏ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ‏(‏8‏)‏ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ‏(‏9‏)‏ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ‏(‏10‏)‏ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ‏(‏11‏)‏‏}‏

اختلف الناس في المراد‏:‏ ب ‏{‏العاديات‏}‏، فقال ابن عباس وقتادة ومجاهد وعكرمة‏:‏ أراد الخيل لأنها تعدو بالفرسان وتصيح بأصواتها، قال بعضهم‏:‏ وسببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خيلاً إلى بني كنانة سرية فأبطأ أمرها عليه حتى أرجف بهم بعض المنافقين، فنزلت الآية معلمة أن خيله عليه السلام قد فعلت جميع ما في الآية، وقال آخرون‏:‏ القسم هو بالخيل جملة لأنها تعدو ضابحة قديماً وحديثاً، وهي حاصرة البلاد وهادمة الممالك، وفي نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وقال علي بن أبي طالب وحديثاً، وهي حاصرة البلاد وهادمة الممالك، وفي نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وإبراهيم وعبيد بن عمير‏:‏ ‏{‏العاديات‏}‏ في هذه الآية‏:‏ الإبل لأنها تضبح في عدوها، قال علي‏:‏ والقسم بالإبل العاديات من عرفة ومن مزدلفة إذا وقع الحاج وبإبل غزوة بدر فإنه لم يكن في الغزوة غير فرسين‏:‏ فرس المقداد وفرس الزبير بن العوام، والضبح‏:‏ تصويت جهير عند العدو الشديد ليس بصهيل ولا رغاء ولا نباح، بل هو غير المعاد من صوت الحيوان الذي يضبح‏.‏ وحكي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال‏:‏ ليس يضج من الحيوان غير الخيل والكلاب، وهذا عندي لا يصح عن ابن عباس رضي الله عنه، وذلك أن الإبل تضج والأسود من الحيات والبوم والصدى والأرنب والثعلب، والقوس هذه كلها قد استعملت لها العرب الضبح، وأنشد أبو حنيفة في صفة قوس‏:‏ ‏[‏الرجز‏]‏

حنانة من نشم أو تالب *** تضبح في الكف ضباح الثعلب

والظاهر في الآية، أن القسم بالخيل أو بالإبل أو بهما، قوله تعالى ‏{‏فالموريات قدحاً‏}‏ قال علي بن أبي طالب وابن مسعود‏:‏ هي الإبل، وذلك أنها في عدوها ترجم الحصى بالحصى فيتطاير منه النار فذلك القدح‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ هي الخيل، وذلك بحوافرها في الحجارة وذلك معروف‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ ‏{‏الموريات قدحاً‏}‏‏:‏ هي الألسن، فهذا على الاستعارة أي ببيانها تقدح الحجج وتظهرها‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏الموريات قدحاً‏}‏، يريد به مكر الرجال، وقال قتادة‏:‏ ‏{‏الموريات‏}‏، الخيل تشعل الحرب، فهذا أيضاً على الاستعارة البينة، وقال ابن عباس أيضاً وجماعة من العلماء‏:‏ الكلام عام يدخل في القسم كل من يظهر بقدحه ناراً، وذلك شائع في الأمم طول الدهر وهو نفع عظيم من الله تعالى، وقد وقف عليه في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفرأيتم النار التي تورون‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 71‏]‏ معناه‏:‏ تظهرون بالقدح، قال عدي بن زيد‏:‏ ‏[‏الخفيف‏]‏

فقدحنا زناداً وورينا *** فوق جرثومة من الأرض نار

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فالمغيرات صبحاً‏}‏ قال علي وابن مسعود‏:‏ هي الإبل من مزدلفة إلى منى أو في بدر، والعرب تقول‏:‏ أغار إذا عدا جرياً ونحوه، وقال ابن عباس وجماعة كثيرة، هي الخيل واللفظة من الغارة في سبيل الله وغير ذلك من سير الأمم، وعرف الغارات أنها مع الصباح لأنها تسري ليلة الغارة والنقع‏:‏ الغبار الساطع المثار، وقرأ أبو حيوة‏:‏ «فأثّرن» بشد الثاء، والضمير في ‏{‏به‏}‏ ظاهر أنه للصبح المذكور، ويحتمل أن يكون للمكان والموضع الذي يقتضيه المعنى وإن كان لم يجر له ذكر، ولهذا أمثلة كثيرة، ومشهورة إثارة النقع هو للخيل ومنه قول الشاعر ‏[‏البسيط‏]‏

يخرجن من مستطير النقع دامية *** كأن آذانها أطراف أقلام

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه‏:‏ هو هنا الإبل تثير النقع بأخفافها، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فوسطن به جميعاً‏}‏ قال ابن عباس وعلي‏:‏ هي الإبل، و‏{‏جمعاً‏}‏‏:‏ هي المزدلفة، وقال ابن عباس‏:‏ هي الخيل، والمراد جمع من الناس هم المغيرون، وقرأ علي بن أبي طالب وقتادة وابن أبي ليلى‏:‏ «فوسّطن» بشد السين، وقال بشر بن أبي حازم‏:‏ ‏[‏الكامل‏]‏

فوسطن جمعهم وأفلت حاجب *** تحت العجاجة في الغبار الأقتم

وذكر الطبري عن زيد بن أسلم‏:‏ أنه كان يكره تفسير هذه الألفاظ، ويقول‏:‏ هو قسم أقسم الله به، وجمهور الأمة وعلماؤها مفسرون لها كما ذكرنا، والقسم واقع على قوله‏:‏ ‏{‏إن الإنسان لربه لكنود‏}‏ وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «أتدرون ما الكنود‏؟‏» قالوا لا يا رسول الله، قال‏:‏ «هو الكفور الذي يأكل وحده ويمنع رفده، ويضرب عبده‏.‏» وقد يكون من المؤمنين الكفور بالنعمة، فتقدير الآية‏:‏ إن الإنسان لنعمة ربه لكنود، وأرض كنود لا تنبت شيئاً، وقال الحسن بن أبي الحسن‏:‏ الكنود اللائم لربه الذي يعد السيئات وينسى الحسنات، والكنود العاصي بلغة كندة، ويقال للخيل كنود، وقال أبو زبيد‏:‏ ‏[‏الخفيف‏]‏

إن تفتني فلم أطب بك نفساً *** غير أني أمنى بدهر كنود

وقال الفضيل‏:‏ الكنود الذي تنسيه سيئة واحدة حسنات كثيرة ويعامل الله على عقد عوض، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإنه على ذلك لشهيد‏}‏ يحتمل الضمير أن يعود على الله تعالى، وقاله قتادة‏:‏ أي وربه شاهد عليه، وتفسير هذا الخبر يقتضي الشهادة بذلك، ويحتمل أن يعود على ‏{‏الإنسان‏}‏ أي أفعاله وأقواله وحاله المعلومة من هذه الأخلاق تشهد عليه، فهو شاهد على نفسه بذلك، وهذا قول الحسن ومجاهد، والضمير في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإنه لحب الخير‏}‏ عائد على ‏{‏الإنسان‏}‏ لا غير، والمعنى من أجل حب الخير إنه ‏{‏لشديد‏}‏، أي بخيل بالمال ضابط له، ومنه قول الشاعر ‏[‏طرفة بن العبد‏]‏‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي *** عقيلة مال الفاحش المتشدد

و ‏{‏الخير‏}‏ المال على عرف ذلك في كتاب الله تعالى، قال عكرمة‏:‏ ‏{‏الخير‏}‏ حيث وقع في القرآن فهو المال، ويحتمل أن يراد هنا الخير الدنياوي من ماله وصحة وجاه عند الملوك ونحوه، لأن الكفار والجهال لا يعرفون غير ذلك، فأما المحب في خير الآخرة فممدوح له مرجو له الفوز وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفلا يعلم‏}‏، توقيف على المال والمصير أي أفلا يعلم مآله فيستعد له، و«بعثرة ما في القبور»‏:‏ تقصيه مما يستره والبحث عنه، وهذه عبارة عن البحث، وفي مصحف ابن مسعود‏:‏ «بحث ما في القبور»، وفي حرف أبي‏:‏ «وبحثرت القبور»، و‏{‏تحصيل ما في الصدور‏}‏‏:‏ تمييزه وكشفه ليقع الجزاء عليه من إيمان وكفر ونية، ويفسره قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏

سورة القارعة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 11‏]‏

‏{‏الْقَارِعَةُ ‏(‏1‏)‏ مَا الْقَارِعَةُ ‏(‏2‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ‏(‏3‏)‏ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ‏(‏4‏)‏ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ‏(‏5‏)‏ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ‏(‏6‏)‏ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ‏(‏7‏)‏ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ‏(‏8‏)‏ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ‏(‏9‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ‏(‏10‏)‏ نَارٌ حَامِيَةٌ ‏(‏11‏)‏‏}‏

قرأ‏:‏ «القارعةَ ما القارعةَ» بالنصب عيسى، قال جمهور المفسرين‏:‏ ‏{‏القارعة‏}‏ يوم القيامة نفسها لأنها تقرع القلوب بهولها، وقال قوم من المتأولين‏:‏ ‏{‏القارعة‏}‏ صيحة النفخة في الصور، لأنها تقرع الأسماع، وفي ضمن ذلك القلوب، وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما أدراك‏}‏ تعظيم لأمرها، وقد تقدم مثله، و‏{‏يوم‏}‏‏:‏ ظرف، والعامل فيه ‏{‏القارعة‏}‏ وأمال أبو عمرو‏:‏ ‏{‏القارعة‏}‏، و«الفراش»‏:‏ طير دقيق يتساقط في النار ويقصدها، ولا يزال يقتحم على المصباح ونحوه حتى يحترق، ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقتحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب»، وقال الفراء‏:‏ «الفراش» في الآية‏:‏ غوغاء الجراد وهو صغيره الذي ينتشر في الأرض والهواء، و‏{‏المبثوث‏}‏ هنا معناه‏:‏ المتفرق، جمعه وجملته موجودة متصلة، وقال بعض العلماء‏:‏ الناس أول قيامهم من القبور ‏{‏كالفراش المبثوث‏}‏، لأنهم يجيئون ويذهبون على غير نظام، يدعوهم الداعي فيتوجهون إلى ناحية المحشر فهم حينئذ كالجراد المنتشر، لأن الجراد إنما توجهه إلى ناحية مقصودة، واختلف اللغويون في «العهن»، فقال أكثرهم‏:‏ هو الصرف عاماً، وقال آخرون‏:‏ وهو الصوف الأحمر، وقال آخرون‏:‏ هو الصوف الملون ألواناً، واحتج بقول زهير‏:‏

كأن فتات العهن في كل منزل *** نزلن به حب الفنا لم يحطم

والفنا‏:‏ عنب الثعلب، وحبه قبل التحطم منه الأخضر والأحمر والأصفر، وكذلك الجبال جدد بيض وحمر وسود وصفر، فجاء التشبيه ملائماً، وكون ‏{‏الجبال كالعهن‏}‏، إنما هو وقت التفتيت قبل النسف ومصيرها هباء، وهي درجات، والنفش‏:‏ خلخلة الأجزاء وتفريقها عن تراصها، وفي قراءة ابن مسعود وابن جبير‏:‏ «كالصوف المنفوش»، و«الموازين»‏:‏ هي التي في القيامة، فقال جمهور العلماء والفقهاء والمحدثين‏:‏ ميزان القيامة بعمود ليبين الله أمر العباد بما عهدوه وتيقنوه، وقال مجاهد‏:‏ ليس تم ميزان إنما هو العدل مثل ذكره بالميزان إذ هو أعدل ما يدري الناس، وجمعت الموازين للإنسان لما كانت له موزونات كثيرة متغايرة، وثقل هذا الميزان هو بالإيمان والأعمال، وخفته بعدمها وقلتها، ولن يخف خفة موبقة ميزان مؤمن‏.‏ ‏{‏عيشة راضية‏}‏ معناه‏:‏ ذات رضى على النسب، وهذا قول الخليل وسيبويه، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأمه هاوية‏}‏ قال كثير من المفسرين‏:‏ المراد بالأم نفس الهاوية، وهي درك من أدراك النار، وهذا كما يقال للأرض‏:‏ أم الناس لأنها تؤويهم، وكما قال عتبة بن أبي سفيان في الحرب‏:‏ فنحن بنوها وهي أمنا، فجعل الله الهاوية أم الكافر لما كانت مأواه، وقال آخرون‏:‏ هو تفاؤل بشر فيه تجوز في أم الولاد، كما قالوا‏:‏ أمه ثاكل وخوى نجمه وهوى نجمه ونحو هذا، وقال أبو صالح وغيره‏:‏ المراد أم رأسه لأنهم يهوون على رؤوسهم، وقرأ طلحة‏:‏ «فإمُّه» بكسر الهمزة وضم الميم المشددة، ثم قرر تعالى نبيه على دراية أمرها وتعظيمه ثم أخبره أنها ‏{‏نار حامية‏}‏، وقرأ‏:‏ «ما هي» بطرح الهاء في الوصل ابن إسحاق والأعمش، وروى المبرد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل‏:‏ لا أم لك، فقال‏:‏ يا رسول الله، أتدعوني إلى الهدى وتقول‏:‏ لا أم لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إنما أردت لا نار لك،» قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فأمه هاوية‏}‏‏.‏

سورة التكاثر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 8‏]‏

‏{‏أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ‏(‏1‏)‏ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ‏(‏2‏)‏ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ‏(‏3‏)‏ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ‏(‏4‏)‏ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ‏(‏5‏)‏ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ‏(‏6‏)‏ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ‏(‏7‏)‏ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ‏(‏8‏)‏‏}‏

«ألهى» معناه‏:‏ شغل بلذاته، ومنه لهو الحديث والأصوات واللهو بالنساء، وهذا خبر فيه تقريع وتوبيخ وتحسر، وقرأ ابن عباس وعمران الجوني وأبو صالح‏:‏ «أألهاكم» على الاستفهام، و‏{‏التكاثر‏}‏ هي المفاخرة بالأموال والأولاد والعدد جملة، وهذا هجيرى أبناء الدنيا‏:‏ العرب وغيرهم لا يتخلص منهم إلا العلماء المتقون، وقد قال الأعشى‏:‏ ‏[‏السريع‏]‏

ولست بالأكثر منهم حصى *** وإنما العزة للكاثر

وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت»، واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى زرتم المقابر‏}‏، فقال قوم‏:‏ حتى ذكرتم الموت في تفاخركم بالآباء والسلف، وتكثرتم بالعظام الرمام، وقال المعنى‏:‏ حتى متم وزرتم بأجسادكم مقابرها أي قطعتم بالتكاثر أعماركم، وعلى هذا التأويل روي أن أعرابياً سمع هذه الآية فقال‏:‏ بعث القوم للقيامة ورب الكعبة، فإن الزائر منصرف لا مقيم، وحكى النقاش هذه النزعة من عمر بن عبد العزيز، وقال آخرون‏:‏ هذا تأنيب على الإكثار من زيارة القبور أي حتى جعلتم أشغالكم القاطعة بكم عن العبادة والتعلم زيارة القبور تكثراً بمن سلف وإشادة بذكره، وقال ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها ولا تقولوا هجراً» فكان نهيه عليه السلام في معنى الآية، ثم أباح بعد لمعنى الاتعاظ لا لمعنى المباهاة والتفاخر كما يصنع الناس في ملازمتها وتسنيمها بالحجارة والرخام وتلوينها شرفاً وبنيان النواويس عليها، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كلا سوف تعلمون‏}‏ زجر ووعيد ثم كرر تأكيداً، ويأخذ كل إنسان من الرجز والوعيد المكررين على قدر حظه من التوغل فيما يكره، هذا تأويل جمهور الناس، وقال علي بن أبي طالب‏:‏ «كلا ستعلمون في القبور ثم كلا ستعلمون في البعث»، وقال الضحاك‏:‏ الزجر الأول وعيده هو للكفار والثاني للمؤمنين، وقرأ مالك بن دينار‏:‏ «كلا ستعلمون» فيهما، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كلا لو تعلمون علم اليقين‏}‏ جواب ‏{‏لو‏}‏ محذوف مقدر في القول أي لازدجرتم وبادرتم إنقاذ أنفسكم من الهلكة، و‏{‏اليقين‏}‏ أعلى مراتب العلم، ثم أخبر تعالى الناس أنهم يرون الجحيم، وقرأ ابن عامر والكسائي‏:‏ «لتُرون» بضم التاء، وقرأ الباقون بفتحها وهي الأرجح، وكذلك في الثانية، وقرأ علي بن أبي طالب بفتح التاء الأولى وضمها في الثانية، وروي ضمها عن ابن كثير وعاصم، و«ترون» أصله ترأيون نقلت حركة الهمزة إلى الراء وقلبت الياء ألفاً لحركتها بعد مفتوح، ثم حذفت الألف لسكونها‏.‏ وسكون الواو بعدها ثم جلبت النون المشددة فحركت الواو بالضم لسكونها وسكون النون الأولى من المشددة إذ قد حذفت نون الإعراب للبناء، وقال ابن عباس‏:‏ هذا خطاب للمشركين، فالمعنى على هذا أنها رؤية دخول‏.‏

سورة العصر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏وَالْعَصْرِ ‏(‏1‏)‏ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ‏(‏2‏)‏ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ‏(‏3‏)‏‏}‏

قال ابن عباس‏:‏ ‏{‏العصر‏}‏‏:‏ الدهر، يقال فيه عصر وعصر بضم العين والصاد، وقال امرؤ القيس‏:‏

وهل يعمن من كان في العصر الخالي *** وقال قتادة‏:‏ ‏{‏العصر‏}‏ العشي، وقال ابي بن كعب‏:‏ سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن العصر فقال‏:‏ «أقسم ربكم بآخر النهار»، وقال بعض العلماء‏:‏ وذكره أبو علي ‏{‏العصر‏}‏‏:‏ اليوم، ‏{‏والعصر‏}‏ الليلة ومنه قول حميد‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

ولن يلبث العصران يوم وليلة *** إذا طلبا أن يدركا ما تيمما

وقال بعض العلماء‏:‏ ‏{‏العصر‏}‏‏:‏ بكرة والعصر‏:‏ عشية وهما الأبردان، وقال مقاتل‏:‏ ‏{‏العصر‏}‏ هي الصلاة الوسطى أقسم بها، و‏{‏الإنسان‏}‏ اسم الجنس، و«الخسر»‏:‏ النقصان وسوء الحال، وذلك بين غاية البيان في الكافر لأنه خسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين، وأما المؤمن وإن كان في خسر دنياه في هرمه وما يقاسيه من شقاء هذه الدار فذلك معفو عنه في جنب فلاحه في الآخرة وربحه الذي لا يفنى، ومن كان في مدة عمره في التواصي بالحق والصبر والعمل بحسب الوصاة فلا خسر معه، وقد جمع له الخير كله، وقرأ علي بن أبي طالب‏:‏ «والعصر ونوائب الدهر إن الإنسان»، وفي مصحف عبد الله‏:‏ «والعصر لقد خلقنا الإنسان في خسر»، وروي عن علي بن أبي طالب أنه قرأ «إن الإنسان لفي خسر وإنه فيه إلى آخر الدهر إلا الذين»، وقرأ عاصم والأعرج‏:‏ «لفي خسُر» بضم السين، وقرأ سلام أبو المنذر‏:‏ «والعصِر» بكسر الصاد «وبالصبٍر» بكسر الباء، وهذا لا يجوز إلا في الوقف على نقل الحركة، وروي عن أبي عمرو‏:‏ «بالصبِر» بكسر الباء إشماماً، وهذا أيضاً لا يكون إلا في الوقف‏.‏ نجز تفسير سورة ‏{‏العصر‏}‏‏.‏

سورة الهمزة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 9‏]‏

‏{‏وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ‏(‏1‏)‏ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ‏(‏2‏)‏ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ‏(‏3‏)‏ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ‏(‏4‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ ‏(‏5‏)‏ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ‏(‏6‏)‏ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ‏(‏7‏)‏ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ‏(‏8‏)‏ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ‏(‏9‏)‏‏}‏

‏{‏ويل‏}‏ لفظ يجمع الشر والحزن، وقيل ‏{‏ويل‏}‏‏:‏ واد في جهنم، و«الهمزة» الذي يهمز الناس بلسانه أي يعيبهم، ويغتابهم، وقال ابن عباس‏:‏ هو المشاء بالنميم‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ليس به لكنهما صفتان تتلازم، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏هماز مشاء بنميم‏}‏ ‏[‏القلم‏:‏ 11‏]‏، وقال مجاهد‏:‏ «الهمزة» الذي يأكل لحوم الناس، وقيل لأعرابي‏:‏ أتهمز إسرائيل فقال‏:‏ إني إذاً لرجل سوء، حسب أنه يقال له أتقع في سبه، و«اللمزة» قريب من المعنى في الهمزة، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تلمزوا أنفسكم‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 11‏]‏، وقرأ ابن مسعود والأعمش والحسن‏:‏ «ويل الهمزة اللمزة»، وهذا البناء الذي هو فعلة يقتضي المبالغة في معناه، قال أبو العالية والحسن‏:‏ الهمز بالحضور واللمز بالمغيب، وقال مقاتل ضد هذا، وقال مرة‏:‏ هما سواء، وقال ابن أبي نجيح‏:‏ الهمز باليد والعين‏:‏ واللمز باللسان، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ومنهم من يلمزك في الصدقات‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 58‏]‏ وقيل نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق وقيل في جميل بن عامر الجمحي ثم هي تتناول كل من اتصف بهذه الصفات، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي والحسن وأبو جعفر‏:‏ «جمّع» بشدة الميم، والباقون بالتخفيف، وقوله ‏{‏وعدده‏}‏ معناه‏:‏ أحصاه وحافظ على عدده وأن لا ينتقص، فمنعه من الخيرات ونفقة البر، وقال مقاتل‏:‏ المعنى استعده وذخره وقرأ الحسن‏:‏ «وعدَدَه» بتخفيف الدالين، فقيل المعنى جمع مالاً وعدداً من عشرة، وقيل أراد عدداً مشدداً فحل التضعيف، وهذا قلق، وقوله‏:‏ ‏{‏يحسب أن ماله أخلده‏}‏ معناه‏:‏ يحسب أن ماله هو معنى حياته وقوامها، وأنه حفظه مدة عمره ويحفظه، ثم رد على هذه الحسبة وأخبر إخباراً مؤكداً أنه ينبذ ‏{‏في الحطمة‏}‏ أي التي تحطيم ما فيها وتلتهبه، وقرأ‏:‏ «يحسَب» بفتح السين الأعرج وأبو جعفر وشيبة، وقرأ ابن محيصن والحسن بخلاف عنه‏:‏ «لينبذان» بنون مكسورة مشددة قبلها ألف، يعني هو ماله، وروي عنه ضم الذال على نبذ جماعة هو ماله وعدده، أو يريد جماعة الهمزات ثم عظم شأنها وأخبر أنها ‏{‏نار الله الموقدة‏}‏ التي يبلغ إحراقها القلوب ولا يخمد، والفؤاد القلب، ويحتمل أن يكون المعنى أنها لا يتجاوزها أحد حتى تأخذه بواجب عقيدة قلبه ونيته فكأنها متطلعة على القلوب باطلاع الله تعالى إياها، ثم أخبر بأنها عليهم موصدة ومعناه مطبقة أو مغلقة، قال علي بن أبي طالب‏:‏ أبواب النار بعضها فوق بعض، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏في عمد‏}‏ هو جمع عمود كأديم وأدم، وهي عند سبيويه أسماء جمع لا جموع جارية على الفعل، وقرأ ابن مسعود‏:‏ «موصدة بعمد ممدّدة»، وقال ابن زيد‏:‏ المعنى في عمد حديد مغلولين بها والكل من نار، وقال أبو صالح‏:‏ هذه النار هي في قبورهم، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي‏:‏ «عُمُد» بضم العين والميم، وقرأ الباقون وحفق عن عاصم بفتحهما، وقرأ الجمهور‏:‏ «ممددةٍ» بالخفض على نعت العمد، وقرأ عاصم‏:‏ «ممددة» بالرفع على اتباع ‏{‏موصدة‏}‏‏.‏

نجز تفسيرها بحمد الله‏.‏

سورة الفيل

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ‏(‏1‏)‏ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ‏(‏2‏)‏ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ‏(‏3‏)‏ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ‏(‏4‏)‏ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ‏(‏5‏)‏‏}‏

‏{‏كيف‏}‏ نصب بفعل والجمهور على أنه فيل واحد، وقال الضحاك‏:‏ ثمانية، فهو اسم الجنس وقوله مردود، وحكى النقاش‏:‏ ثلاثة عشر، وهذه السورة تنبيه على الاعتبار في أخذ الله تعالى لأبرهة ملك الحبشة ولجيشه حين أم به الكعبة ليهدمها، وكان صاحب فيل يركبه، وقصته مشروحة في السير الطويلة، واختصاره أنه بنى في اليمن بيتاً وأراد أن يرد إليه حج العرب، فذهب أعرابي فأحدث في البيت الذي بنى أبرهة فغضب لذلك واحتفل في جموعه وركب الفيل وقصد مكة، وغلب من تعرضه في طريقه من قبائل العرب، فلما وصل ظاهر مكة وفر عبد المطلب وقريش إلى الجبال والشعاب، وأسلموا له البلد وغلب طغيانه، ولم يكن للبيت من البشر من يعصمه ويقوم دونه، جاءت قدرة الواحد القهار وأخذ العزيز المقتدر، فأصبح أبرهة ليدخل مكة ويهدم الكعبة فبرك فيله بذي الغميس ولم يتوجه قبل مكة فبضعوه بالحديد فلم يمش إلى ناحية مكة وكان إذا وجهوه إلى غيرها هرول، فبينا هم كذلك في أمر الفيل بعث الله ‏{‏عليهم طيراً‏}‏ جماعات جماعات سوداً من البحر وقيل خضراً، عند كل طائر ثلاثة أحجار في منقارة ورجليه وكل حجر فوق العدسة ودون الحمصة فرمتهم بتلك الحجارة، فكان الحجر منها يقتل المرمي وتتهرى لحومهم جذرياً، وأسقاماً، فانصرف أبرهة بمن معه يريد اليمن فماتوا في طريقهم متفرقين في كل مرحلة، وتقطع أبرهة أنملة أنملة حتى مات وحمى الله بيته المرفع، فنزلت الآية منبهة على الاعتبار بهذه القصة، ليعلم الكل أن الأمر كله لله، ويستسلموا للإله الذي ظهرت في ذلك قدرته، حين لم تغن الأصنام شيئاً ف ‏{‏أصحاب الفيل‏}‏‏:‏ أبرهة الملك ورجاله، وقرأ أبو عبد الرحمن‏:‏ «ألم ترْ» بسكون الراء، و«التضليل» الخسار والتلف، و«الأبابيل»‏:‏ جماعات تجيء شيئاً بعد شيء، قال أبوعبيدة‏:‏ لا واحد له من لفظه وهذا هو الصحيح لا ما تكلفه بعض النحاة وقال ‏[‏معبد بن أبي معبد الخزاعي‏]‏‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

كادت تهد من الأصوات راحلتي *** إذ سارت الأرض بالجرد الأبابيل

وقد تقدم تفسير «حجارة السجيل» غير مرة، وهي من سنج وكل أي ماء وطين، كأنها الآجر ونحوه مما طبخ، وهي المسومة عند الله تعالى للكفرة الظالمين، و«العصف»‏:‏ ورق الحنطة وتبنه ومنه قول علقمة بن عبدة‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

تسقى مذانب قد مالت عصيفتها *** حدورها من أتيّ الماء مطموم

والمعنى صاروا طيناً ذاهباً كورق حنطة أكلته الدواب وراثته فجمع المهانة والخسة وأتلف، وقرأ أبو الخليج الهذلي «فتركتهم كعصف»، قال أبو حاتم، وقرأ بعضهم‏:‏ «فجعلتهم» يعنون الطير بفتح اللام وتاء ساكنة، وقال عكرمة‏:‏ العصف حب البر إذا أكل فصار أجوف، وقال الفراء‏:‏ هو أطراف الزرع قبل أن يسنبل، وهذه السورة متصلة في مصحف أبي بن كعب بسورة ‏{‏لإيلاف قريش‏}‏ لا فصل بينهما، وقال سفيان بن عيينة‏:‏ كان لنا إمام يقرأ بهما متصلة سورة واحدة‏.‏

سورة قريش

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 4‏]‏

‏{‏لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ ‏(‏1‏)‏ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ‏(‏2‏)‏ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ‏(‏3‏)‏ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ‏(‏4‏)‏‏}‏

قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي‏:‏ ‏{‏لإيلاف قريش إيلافهم‏}‏ على إفعال والهمزة الثانية ياء، وقرأ ابن عامر «لألآف» على فعال ‏{‏إيلافهم‏}‏ على أفعال بياء في الثانية، وقرأ أبو بكر عن عاصم‏:‏ بهمزتين فيهما الثانية ساكنة، قال أبو علي‏:‏ وتحقيق عاصم هاتين الهمزتين لا وجه له، وقرأ أبو جعفر‏:‏ «إلْفهم» بلام ساكنة، و‏{‏قريش‏}‏ ولد النضر بن كنانة، والتقرش‏:‏ التكسب، وتقول ألف الرجل الأمر وآلفه غيره، فالله عز وجل آلف قريشاً أي جعلهم يألفون رحلتين في العام، رحلة في الشتاء وأخرى في الصيف، ويقال أيضاً ألف بمعنى آلف، وأنشد أبو زيد‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

من المؤلفات الرمل أدماء حرة *** شعاع الضحى في جيدها يتوضح

فألف وإلاف مصدر ألف، و«إيلاف» مصدر آلف، قال بعض الناس‏:‏ كانت الرحلتان إلى الشام في التجارة، وقيل الأرباح، ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الكامل‏]‏

سفرين بينهما له ولغيره *** سفر الشتاء ورحلة الأصياف

وقال ابن عباس‏:‏ كانت ‏{‏رحلة الشتاء‏}‏ إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى بصرى من أرض الشام، قال أبو صالح‏:‏ كانت جميعاً إلى الشام، وقال ابن عباس أيضاً‏:‏ كانوا يرحلون في الصيف إلى الطائف حيث الماء والظل، ويرحلون في الشتاء إلى مكة للتجارة وسائر أغراضهم، فهاتان رحلتا الشتاء والصيف، قال الخليل بن أحمد فمعنى الآية‏:‏ لأن فعل الله بقريش هذا ومكنهم من الفهم هذه النعمة ‏{‏فليعبدوا رب هذا البيت‏}‏‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وذكر البيت هنا متمكن لتقدم حمد الله في السورة التي قبل، وقال الأخفش، وغيره‏:‏ ‏{‏لإيلاف‏}‏، متعلقة بقوله‏:‏ ‏{‏فجعلهم كعصف مأكول‏}‏ ‏[‏الفيل‏:‏ 5‏]‏، أي ليفعل بقريش هذه الأفاعيل الجميلة، وقال بعض المفسرين معنى الآية‏:‏ أعجبوا ‏{‏لإيلاف قريش‏}‏، هذه الأسفار وإعراضهم عن عبادة الله، ثم أمرهم بالعبادة بعد وأعلمهم أن الله تعالى هو الذي ‏{‏أطعمهم‏}‏ ‏{‏وآمنهم‏}‏ لا سفرهم، المعنى‏:‏ فليعبدوا الذي أطعمهم بدعوة إبراهيم حيث قال‏:‏ وارزقهم من الثمرات، وآمنهم بدعوته حيث قال‏:‏ ‏{‏رب اجعل هذا البلد آمناً‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 35‏]‏ ولا يشتغلوا بالأسفار التي إنما هي طلب كسب وعرض دنيا، وقال النقاش‏:‏ كانت لهم أربع رحل، وهذا قول مردود، وقال عكرمة‏:‏ معنى الآية كما ألفوا هاتين الرحلتين لدنياهم ‏{‏فليعبدوا رب هذا البيت‏}‏ لآخرتهم، وقال قتادة‏:‏ إنما عددت عليهم الرحلتان لأنهم كانوا يأمنون الناس في سفرتهم، والناس بغير بعضهم على بعض، ولا يمكن قبيلاً من العرب أن يرحل آمناً، كما تفعل قريش، فالمعنى فليعبدوا الذي خصهم بهذه الحال فأطعمهم وآمنهم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏من جوع‏}‏ معناه أن أهل مكة قاطنون بواد غير ذي زرع عرضة للجوع والجدب لولا لطف الله تعالى، وأن جعلها بدعوة إبراهيم تجبى إليها ثمرات كل شيء، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏من خوف‏}‏ أي جعلهم لحرمة البيت مفضلين عند العرب يأمنون والناس خائفون، ولولا فضل الله تعالى في ذلك لكانوا بمدارج المخاوف، وقال ابن عباس والضحاك‏:‏ ‏{‏من خوف‏}‏ معناه من الجذام فلا ترى بمكة مجذوماً‏.‏

سورة الماعون

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 7‏]‏

‏{‏أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ‏(‏1‏)‏ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ‏(‏2‏)‏ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ‏(‏3‏)‏ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ‏(‏4‏)‏ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ‏(‏5‏)‏ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ‏(‏6‏)‏ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ‏(‏7‏)‏‏}‏

هذا توقيف وتنبيه لتتذكر نفس السامع كل من يعرفه بهذه الصفة، وهمز أبو عمرو‏:‏ «أرأيت» بخلاف عنه ولم يهمزها نافع وغيره، و‏{‏الدين‏}‏ الجزاء ثواباً وعقاباً، والحساب هنا قريب من الجزاء ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏فذلك الذي يدعُّ اليتيم‏}‏ أي ارقب فيه هذه الخلال السيئة تجدها، ودع اليتيم‏:‏ دفعه بعنف، وذلك إما أن يكون المعنى عن إطعامه والإحسان إليه، وإما أن يكون عن حقه وماله، فهذا أشد، وقرأ أبو رجاء‏:‏ «يدَع»، بفتح الدال خفيف بمعنى لا يحسن إليه، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يحض على طعام المسكين‏}‏ أي لا يأمر بصدقة ولا يرى ذلك صواباً، ويروى أن هذه السورة نزلت في بعض المضطرين في الإسلام بمكة الذين لم يحققوا فيه وفتنوا فافتتنوا، وكانوا على هذه الخلق من الغشم وغلظ العشرة والفظاظة على المسلمين، وربما كان بعضهم يصلي أحياناً مع المسلمين مدافعة وحيرة فقال تعالى فيهم‏:‏ ‏{‏فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون‏}‏‏.‏ قال ابن جريج‏:‏ كان أبو سفيان ينحر كل أسبوع جزوراً فجاءه يتيم، فقرعه بعصا فنزلت السورة فيه، وقال سعد بن أبي وقاص‏:‏ سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ‏{‏الذين هم عن صلاتهم ساهون‏}‏، فقال‏:‏ هم الذين يؤخرونها عن وقتها، يريد والله أعلم تأخير ترك وإهمال، وإلى هذا نحا مجاهد، وقال قتادة ‏{‏ساهون‏}‏، هو الترك لها وهم الغافلون الذين لا يبالي أحدهم صلى أو لم يصل، وقال عطاء بن يسار‏:‏ الحمد لله الذي قال ‏{‏عن صلاتهم‏}‏ ولم يقل في صلاتهم، وفي قراءة ابن مسعود‏:‏ «لاهون» بدل ‏{‏ساهون‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين هم يراؤون‏}‏ بيان أن صلاة هؤلاء ليست لله تعالى بينة إيمان، وإنما هي رياء للبشر فلا قبول لها، وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو الأشهب‏:‏ «يرؤن» مهموزة مقصورة مشددة الهمزة، وروي عن ابن أبي إسحاق‏:‏ «يرؤون» بغير شد في الهمزة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويمنعون الماعون‏}‏ وصف لهم بقلة النفع لعباد الله، وتلك شرخلة، وقال علي بن أبي طالب وابن عمر‏:‏ ‏{‏الماعون‏}‏، الزكاة، وقال الراعي‏:‏ ‏[‏الكامل‏]‏

قوم على الإسلام لما يمنعوا *** ماعونهم ويضيعوا التهليلا

وقال ابن مسعود‏:‏ هو ما يتعاطاه الناس بينهم كالفأس والدلو والآنية والمقص ونحوه، وقاله الحسن وقتادة وابن الحنفية وابن زيد والضحاك وابن عباس، وقال ابن المسيب‏:‏ ‏{‏الماعون‏}‏ بلغة قريش‏:‏ المال، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما الشيء الذي لا يحل منعه‏؟‏ قال‏:‏ «الماء والنار والملح» روته عائشة رضي الله عنها، وفي بعض الطرق زيادة الإبرة والخمير، وحكى الفراء عن بعض العرب أن ‏{‏الماعون‏}‏ الماء‏:‏ وقال ابن مسعود‏:‏ كنا نعد ‏{‏الماعون‏}‏ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عارية القدر والدلو ونحوها‏.‏

سورة الكوثر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ‏(‏1‏)‏ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ‏(‏2‏)‏ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ‏(‏3‏)‏‏}‏

قرأ الحسن‏:‏ «إنا أنطيناك»، وهي لغة في أعطى، قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «واليد المنطية خير من السفلى»، وقال الأعشى‏:‏ ‏[‏المتقارب‏]‏

جيادك خير جياد الملوك *** تصان الجلال وتنطى الشعير

قال أنس وابن عمر وابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين‏:‏ ‏{‏الكوثر‏}‏‏:‏ نهر في الجنة، حافتاه قباب من در مجوف وطينه مسك وحصباؤه ياقوت، ونحو هذا من صفاته، وإن اختلفت ألفاظ الرواة، وقال ابن عباس أيضاً‏:‏ ‏{‏الكوثر‏}‏‏:‏ الخير الكثير‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ كوثر‏:‏ بناء مبالغة من الكثرة، ولا مجال أن الذي أعطى الله محمداً عليه السلام من النبوة والحكمة العلم بربه والفوز برضوانه والشرف على عباده هو أكثر الأشياء وأعظمها كأنه يقول في هذه الآية‏:‏ ‏{‏إنا أعطيناك‏}‏ الحظ الأعظم، قال سعيد بن جبير‏:‏ النهر الذي في الجنة هو من الخير الذي أعطاه الله إياه، فنعم ما ذهب إليه ابن عباس، ونعم ما تمم ابن جبير رضي الله عنهم، وأمر النهر ثابت في الآثار في حديث الإسراء وغيره صلى الله عليه وسلم على محمد ونفعنا بما منحنا من الهداية، قال الحسن‏:‏ ‏{‏الكوثر‏}‏، القرآن، وقال أبو بكر بن عياش‏:‏ هو كثرة الأصحاب والأتباع، وقال جعفر الصادق‏:‏ نور في قلبه ودله عليه وقطعه عما سواه، وقال أيضاً‏:‏ هو الشفاعة، وقال هلال بن يساف‏:‏ هو التوحيد، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فصلّ لربك وانحر‏}‏ أمر بالصلاة على العموم، ففيه المكتوبات بشروطها والنوافل على ندبها، والنحر‏:‏ نحر البدن والنسك في الضحايا في قول جمهور الناس، فكأنه قال‏:‏ ليكن شغلك هذين، ولم يكن في ذلك الوقت جهاد، وقال أنس بن مالك‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ينحر يوم الأضحى قبل الصلاة، فأمر أن يصلي وينحر وقاله قتادة، والقرطبي وغيره في الآية طعن على كفار مكة، أي إنهم يصلون لغير الله مكاء وتصدية، وينحرون للأصنام ونحوه، فافعل أنت هذين لربك تكن على صراط مستقيم، وقال ابن جبير‏:‏ نزلت هذه الآية يوم الحديبية وقت صلح قريش قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم‏:‏ صل وانحر الهدي، وعلى هذا تكون الآية من المدني، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال‏:‏ معنى الآية‏:‏ صل لربك وضع يمينك على شمالك عند نحرك في الصلاة، فالنحر على هذين ليس بمصدر نحر بل هو الصدر، وقال آخرون المعنى‏:‏ ارفع يدك في استفتاح صلاتك عند نحرك، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن شانئك هو الأبتر‏}‏ رد على مقالة كان كثير من سفهاء قريش يقولها لما لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولد فكانوا يقولون‏:‏ هو أبتر يموت فنستريح منه ويموت أمره بموته، فقال الله تعالى وقوله الحق‏:‏ ‏{‏إن شانئك هو الأبتر‏}‏، أي المقطوع المبتور من رحمة الله تعالى ولو كان له بنون فهم غير نافعيه، «والشانئ»‏:‏ المبغض، وقال قتادة ‏{‏الأبتر‏}‏ هنا يراد به الحقير الذليل، وقال عكرمة‏:‏ مات ابن للنبي صلى الله عليه وسلم فخرج أبو جهل يقول‏:‏ بتر محمد، فنزلت السورة، وقال ابن عباس‏:‏ نزلت في العاصي بن وائل سمى النبي صلى الله عليه وسلم حين مات ابنه عبد الله أبتر‏.‏

سورة الكافرون

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 6‏]‏

‏{‏قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ‏(‏1‏)‏ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ‏(‏2‏)‏ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ‏(‏3‏)‏ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ‏(‏4‏)‏ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ‏(‏5‏)‏ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ‏(‏6‏)‏‏}‏

قرأ أبي بن كعب وابن مسعود‏:‏ «قل للذين كفروا»، وروي في سبب نزول هذه السورة عن ابن عباس وغيره أن جماعة من عتاة قريش ورجالاتها قالوا للنبي صلى الله عيله وسلم‏:‏ دع ما أنت فيه ونحن نمولك ونزوجك من شئت من كرائمنا ونملكك علينا، وإن لم تفعل هذا فلتعبد آلهتنا ولنعبد إلهك حتى نشترك، فحيث كان الخير نلناه جميعاً، هذا معنى قولهم ولفظهم، لكن للرواة زيادة ونقص، وروي أن هذه الجماعة المذكورة الوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف وأبو جهل وابنا الحجاج ونظراؤهم ممن لم يسلم بعد، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم معهم في هذه المعاني مقامات نزلت السورة في إحداها بسبب قولهم هلم نشترك في عبادة إلهك وآلهتنا، وروي أنهم قالوا‏:‏ اعبد آلهتنا عاماً، ونعبد إلهك عاماً، فأخبرهم عن أمره عز وجل أن لا يعبد ما يعبدون وأنهم غير عابدين ما يعبد، فلما كان قوله‏:‏ ‏{‏لا أعبد‏}‏ محتملاً أن يراد به الآن ويبقى المستأنف منتظراً ما يكون فيه من عبادته جاء البيان بقوله‏:‏ ‏{‏ولا أنا عابد ما عبدتم‏}‏، أي أبداً وما حييت، ثم جاء قوله‏:‏ ‏{‏ولا أنتم عابدون ما أعبد‏}‏ الثاني حتماً عليهم أنهم لا يؤمنون به أبداً كالذي كشف الغيب، فهذا كما قيل لنوح صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، وأما أن هذا في معنيين وقوم نوح عمموا بذلك، فهذا، معنى الترديد الذي في السورة وهو بارع الفصاحة وليس بتكرار فقط، بل فيه ما ذكرته مع التأكيد والإبلاغ، وزاد الأمر بياناً وتبرياً منهم، وقوله‏:‏ ‏{‏لكم دينكم ولي دين‏}‏ وفي هذا المعنى الذي عرضت قريش نزل أيضاً‏:‏ ‏{‏قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 64‏]‏ وقرأ أبو عمرو «ولي ديني» ساكنة الياء، من لي ونصبها الباقون بخلاف كل واحد منهم، والقراءتان حسنتان، وقرأ أبو عمرو‏:‏ «عابد» و«عابدون» والباقون بفتح العين وهاتان حسنتان أيضاً، ولم تختلف السبعة في حذف الياء من دين، وقرأ سلام ويعقوب‏:‏ «ديني» بياء في الوصل والوقف، وقال بعض العلماء في هذه الألفاظ مهادنة ما وهي منسوخة بآية القتال‏.‏

سورة النصر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ‏(‏1‏)‏ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ‏(‏2‏)‏ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ‏(‏3‏)‏‏}‏

قرأ ابن عباس‏:‏ ‏{‏إذا جاء نصر الله والفتح‏}‏، وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه جمعاً من الصحابة الأشياخ وبالحضرة لابن عباس عن معنى هذه السورة وسببها، فقالوا كلهم بمقتضى ظاهر ألفاظها، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عند الفتوح التي فتحت عليه مكة وغيرها بأن يسبح ربه ويحمده ويستغفره، فقال لابن عباس‏:‏ ما تقول أنت يا عبد الله‏؟‏ فقال‏:‏ هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله بقربه إذا رأى هذه الأشياء، فقال عمر ما أعلم منها إلا ما ذكرت، وهذا المنزع الذي ذكره ابن عباس ذكره ابن مسعود وأصحابه ومجاهد وقتادة والضحاك، وروت معناه عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه عليه السلام لما فتحت مكة وأسلمت العرب جعل يكثر أن يقول «سبحان الله وبحمده، اللهم إني أستغفرك» يتأول القرآن في هذه السورة، وقال لها مرة‏:‏ «ما أراه إلا حضور أجلي» وتأوله عمر والعباس بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصدقهما‏.‏ و«النصر» الذي رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ هو غلبته لقريش ولهوازن وغير ذلك، ‏{‏والفتح‏}‏‏:‏ هو فتح مكة والطائف ومدن الحجاز وكثير من اليمن ودخول الناس في الإسلام ‏{‏أفواجاً‏}‏، كان بين فتح مكة إلى موته صلى الله عليه وسلم، قال أبو عمر بن عبد البر النمري رحمه الله في كتاب الاستيعاب في الصحابة في باب أبي خراش الهذلي‏:‏ لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي العرب رجل كافر، بل دخل الكل في الإسلام بعد حنين والطائف، منهم من قدم ومنهم من قدم وفده، ثم كان بعده من الردة ما كان ورجعوا كلهم إلى الدين‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ والمراد والله أعلم عرب عبدة الأوثان، وأما نصارة بني تغلب فما أراهم أسلموا قط في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن أعطوا الجزية، والأفواج‏:‏ الجماعة أثر الجماعة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ألقي فيها فوج‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 8‏]‏ وقال مقاتل‏:‏ المراد بالناس أهل اليمن وفد منهم سبعمائة رجل، وقاله عكرمة، وقال الجمهور‏:‏ المراد جميع وفود العرب لأنهم قالوا‏:‏ إذا فتح الحرم لمحمد عليه السلام وقد حماه الله من الحبشة وغيرهم فليس لكم به يدان، وذكر جابر بن عبد الله فرقة الصحابة فبكى وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «دخل الناس في الدين أفواجاً وسيخرجون منه أفواجاً» وقوله‏:‏ ‏{‏إنه كان تواباً‏}‏ يعقب ترجية عظيمة للمستغفرين، جعلنا الله منهم، وحكى النقاش عن ابن عباس أن «النصر» صلح الحديبية، وأن ‏{‏الفتح‏}‏ فتح مكة، وقال ابن عمر‏:‏ نزلت هذه السورة على النبي صلى الله عليه وسلم بمنى في وسط أيام التشريق في حجة الوداع وعاش بعدها ثمانين يوماً أو نحوها صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم‏.‏

سورة المسد

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ‏(‏1‏)‏ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ‏(‏2‏)‏ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ‏(‏3‏)‏ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ‏(‏4‏)‏ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ‏(‏5‏)‏‏}‏

روي في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه‏:‏ ‏{‏وأنذر عشيرتك الأقربين‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 214‏]‏ قال‏:‏ «يا صفية بنت عبد المطلب، ويا فاطمة بنت محمد لا أملك لكما من الله شيئاً سلاني من مالي ما شئتما» ثم صعد الصفا فنادى بطون قريش‏:‏ «يا بني فلان، يا بني فلان» وروي أنه صاح بأعلى صوته‏:‏ «يا صباحاه» فاجتمعوا إليه من كل وجه، فقال لهم‏:‏ «أرأيتم لو قلت لكم إني أنذركم خيلاً بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي‏؟‏» قالوا‏:‏ نعم، قال‏:‏ «فإني نذير بين يدي عذاب شديد،» فقال أبو لهب‏:‏ تباً لك سائر اليوم، ألهذا، جمعتنا «‏؟‏ فافترقوا عنه ونزلت السورة، و‏{‏تبت‏}‏ معناه‏:‏ خسرت، والتباب‏:‏ الخسار والدمار، وأسند ذلك إلى اليدين من حيث اليد موضع الكسب والربح وضم ما يملك، ثم أوجب عليه أنه قد تب أي حتم ذلك عليه، ففي قراءة عبد الله بن مسعود‏:‏» تبت يدا أبي لهب وقد تب «، و» أبو لهب «‏:‏ هو عبد العزى بن عبد المطلب، وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن سبقت له الشقاوة، وقرأ ابن كثير وابن محيصن‏:‏» أبي لهْب «بسكون الهاء، وقرأ الباقون‏:‏ بتحريك الهاء، ولم يختلفوا في فتحها في ‏{‏ذات لهب‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما أغنى عنه ماله وما كسب‏}‏ يحتمل أن تكون ‏{‏ما‏}‏ نافية، ويكون الكلام خبراً عن أن جميع أحواله الدنياوية لم تغن عنه شيئاً حين حتم عذابه بعد موته، ويحتمل أن تكون ‏{‏ما‏}‏ استفهاماً على وجه التقرير أي أين الغناء الذي لماله ولكسبه‏؟‏ ‏{‏وما كسب‏}‏‏:‏ يراد به عرض الدنيا من عقار ونحوه، أو ليكون الكلام دالاً على أنه أتعب فيه نفسه لم يجئه عفوا لا بميراث وهبة ونحوه، وقال كثير من المفسرين‏:‏ المراد ب ‏{‏ما كسب‏}‏ بنوه، فكأنه قال‏:‏ ‏{‏ما أغنى عنه ماله‏}‏ وولده، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏» خير ما كسب الرجل من عمل يده وإن ولد الرجل من كسبه «، وروي أن أولاد أبي لهب اختصموا عند ابن عباس فتنازعوا وتدافعوا، فقام ابن عباس ليحجز بينهم، فدفعه أحدهم، فوقع على فراشه، وكان قد كف بصره فغضب وصاح‏:‏ أخرجوا عني الكسب الخبيث، وقرأ الأعمش وأبي بن كعب‏:‏» وما اكتسب «وقوله‏:‏ ‏{‏سيصلى ناراً ذات لهب‏}‏ حتم عليه بالنار وإعلام بأنه يوافي على كفره، وانتزع أهل الأصول من هذه الآية تكليف ما لا يطاق، وأنه موجود في قصة أبي لهب، وذلك أنه مخاطب مكلف أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ومكلف أن يؤمن بهذه السورة وصحتها، فكأنه قد كلف أن يؤمن، وأن يؤمن أنه لا يؤمن، قال الأصوليون ومتى ورد تكليف ما لا يطاق فهي أمارة من الله تعالى أنه قد حتم عذاب ذلك المكلف كقصة ‏{‏أبي لهب‏}‏، وقرأ الجمهور» سيَصلى «بفتح الياء، وقرأ ابن كثير والحسن وابن مسعود بضمها، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وامرأته حمالة الحطب‏}‏ هي أم جميل أخت أبي سفيان بن حرب عمة معاوية بن أبي سفيان، وعطف قوله ‏{‏وامرأته‏}‏ على المضمر المرفوع دون أن يؤكد الضمير بسبب الحائل الذي ناب مناب التأكيد، وكانت أم جميل هذه مؤذية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بلسانها وغاية قدرتها، وقال ابن عباس‏:‏ كانت تجيء بالشوك فتطرحه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم وطريق أصحابه ليعقرهم، فلذلك سميت ‏{‏حمالة الحطب‏}‏، وعلى هذا التأويل، ف ‏{‏حمالة‏}‏ معرفة يراد به الماضي، وقيل إن قوله ‏{‏حمالة الحطب‏}‏ استعارة لذنوبها التي تحطبها على نفسها لآخرتها، ف ‏{‏حمالة‏}‏ على هذا نكرة، يراد بها الاستقبال، وقيل هي استعارة لسعيها على الدين والمؤمنين، كما تقول‏:‏ فلان يحطب على فلان وفي حبل فلان، فكانت هي تحطب على المؤمنين وفي حبل المشركين، وقال الشاعر‏:‏ ‏[‏الرجز‏]‏

سورة الإخلاص

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 4‏]‏

‏{‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ‏(‏1‏)‏ اللَّهُ الصَّمَدُ ‏(‏2‏)‏ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ‏(‏3‏)‏ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ‏(‏4‏)‏‏}‏

قرأ عمر بن الخطاب وابن مسعود والربيع بن خيثم‏:‏ «قل هو الله أحد الواحد الصمد»، وروى أبي بن كعب أن المشركين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسب ربه تعالى عما يقول الجاهلون فنزلت هذه السورة، وروى ابن عباس أن اليهود دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ يا محمد صف لنا ربك وانسبه فإنه وصف نفسه في التوراة ونسبها، فارتعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خر مغشياً عليه ونزل عليه جبريل بهذه السورة، وقال أبو العالية قال قتادة‏:‏ الأحزاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ انسب لنا ربك، فأتاه الوحي بهذه السورة، و‏{‏أحد‏}‏ معناه‏:‏ فرد من جميع جهات الوحدانية، ليست كمثله شيء، وهو ابتداء و‏{‏الله‏}‏ ابتداء ثان و‏{‏أحد‏}‏ خبره، والجملة خبر الأول، وقيل‏:‏ ‏{‏هو‏}‏ ابتداء و‏{‏الله‏}‏ خبره و‏{‏أحد‏}‏ بدل منه، وحذف أبو عمرو التنوين من ‏{‏أحد‏}‏ لالتقاء الساكنين «أحدُ الله» وأثبتها الباقون مكسورة للالتقاء، وأما وفقهم كلهم فبسكون الدال، وقد روي عن أبي عمرو‏:‏ الوصل بسكون الدال، وروي عنه أيضاً تنوينها، و‏{‏الصمد‏}‏ في كلام العرب السيد الذي يصمد إليه في الأمور ويستقل بها، وأنشدوا‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

ألا بكر الناعي بخير بني أسد *** بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد

وبهذا تفسر هذه الآية لأن الله جلت قدرته هو موجود الموجودات، وإليه تصمد به قوامها، ولا غني بنفسه إلا هو تبارك وتعالى، وقال كثير من المفسرين‏:‏ ‏{‏الصمد‏}‏ الذي لا جوف له، كأنه بمعنى المصمت، وقال الشعبي‏:‏ هو الذي لا يأكل ولا يشرب، وفي هذا التفسير كله نظر، لأن الجسم في غاية البعد عن صفات الله تعالى‏.‏ فما الذي تعطينا هذه العبارات، و‏{‏الله الصمد‏}‏ ابتداء وخبر، وقيل‏:‏ ‏{‏الصمد‏}‏ نعت، والخبر فيما بعد، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لم يلد ولم يولد‏}‏ رد على إشارة الكفار في النسب الذي سألوه، وقال ابن عباس‏:‏ تفكروا في كل شيء ولا تتفكروا في ذات الله تعالى‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ لأن الأفهام تقف دون ذلك حسيرة، والمؤمنون يعرفون الله تعالى بواجب وجوده وافتقار كل شيء إليه واستغنائه عن كل شيء وينفي العقل عنه كل ما لا يليق به تبارك وتعالى، وأن ليس كمثله شيء، وكل ما ذكرته فهو في ضمن هذه السورة الوجيزة البليغة، قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولم يكن له كفؤاً أحد‏}‏ معناه‏:‏ ليس له ضد ولا ند ولا شبيه، والكفأ والكفؤ والكفاء النظير، وقرأ «كُفؤاً» بضم الكاف وهمز مسهل نافع والأعرج وأبو جعفر وشيبة، وقرأ بالهمز عاصم وأبو عمرو بخلاف عنه، وقرأ حمزة‏:‏ «كفْواً» بالهمز وإسكان الفاء وروي عن نافع «كفاً» بفتح الفاء وبغير همز‏.‏

سورة الفلق

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ‏(‏1‏)‏ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ‏(‏2‏)‏ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ‏(‏3‏)‏ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ‏(‏4‏)‏ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ‏(‏5‏)‏‏}‏

الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد هو آحاد أمته، وقال ابن عباس وابن جبير والحسن والقرظي وقتادة ومجاهد وابن زيد‏:‏ ‏{‏الفلق‏}‏‏:‏ الصبح، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فالق الإصباح‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 96‏]‏ وقال ابن عباس أيضاً وجماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم‏:‏ ‏{‏الفلق‏}‏‏:‏ جب في جهنم ورواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله‏:‏ ‏{‏من شر ما خلق‏}‏ يعم كل موجود له شر، وقرأ عمرو بن عبيد وبعض المعتزلة القائلين‏:‏ بأن الله لم يخلق الشر «من شرٍّ ما خلق» على النفي وهي قراءة مردودة مبنية على مذهب باطل، الله خالق كل شيء، واختلف الناس في‏:‏ «الغاسق إذا وقب» فقال ابن عباس ومجاهد والحسن‏:‏ «الغاسق»‏:‏ الليل و‏{‏وقب‏}‏ معناه‏:‏ أظلم ودخل على الناس، وقال الشاعر ‏[‏ابن قيس الرقيات‏]‏‏:‏ ‏[‏المديد‏]‏

إن هذا الليل قد غسقا *** واشتكيت الهم والأرقا

وقال محمد بن كعب‏:‏ «الغاسق إذا وقب» النهار دخل في الليل، وقال ابن زيد عن العرب، «الغاسق» سقوط الثريا، وكانت الأسقام والطاعون تهيج عنده، وقال عليه السلام‏:‏ «النجم هو الغاسق» فيحتمل أن يريد الثريا، وقال لعائشة وقد نظر إلى القمر‏:‏ «تعوذي بالله ‏{‏من شر غاسق إذا وقب‏}‏، فهذا هو»، وقال القتبي وغيره‏:‏ هو البدر إذا دخل في ساهور فخسف، قال الزهري في «الغاسق إذا وقب»‏:‏ الشمس إذا غربت، و‏{‏وقب‏}‏ في كلام العرب‏:‏ دخل، وقد قال ابن عباس في كتاب النقاش‏:‏ «الغاسق إذا وقب»‏:‏ ذكر الرجل، فهذا التعوذ في هذا التأويل نحو قوله عليه السلام وهو يعلم السائل التعوذ‏:‏ «قل أعوذ بالله من شر سمعي وشر قلبي وشر بصري وشر لساني وشر منيي»، ذكر الحديث جماعة و‏{‏النفاثات في العقد‏}‏ السواحر، ويقال إن الإشارة أولاً إلى بنات لبيد بن الأعصم اليهودي كن ساحرات وهن اللواتي سحرن مع أبيهم النبي صلى الله عليه وسلم وعقدن له إحدى عشرة عقدة، فأنزل الله تعالى إحدى عشرة آية بعد العقد، هي المعوذتان، فشفى الله النبي صلى الله عليه وسلم، والنفث شبه النفخ دون تفل ريق، وهذا النفث هو على عقد تعقد في خيوط ونحوها على اسم المسحور فيؤذى بذلك، وهذا الشأن في زمننا موجود شائع في صحراء المغرب، وحدثني ثقة أنه رأى عند بعضهم خيطاً أحمر قد عقد فيه عقد على فصلان فمنعت بذلك رضاع أمهاتها، فكان إذا حل جرى ذلك الفصيل إلى أمه في الحين فرضع أعاذنا الله من شر السحر والسحرة بقدرته، وقرأ عبد الله بن القاسم والحسن وابن عمر‏:‏ «النافثات في العقد»، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن شر حاسد إذا حسد‏}‏ قال قتادة‏:‏ من شر عينه ونفسه، يريد بالنفس السعي الخبيث والإذاية كيف قدر لأنه عدو مجد ممتحن، وقال الشاعر‏:‏

سورة الناس

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 6‏]‏

‏{‏قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ‏(‏1‏)‏ مَلِكِ النَّاسِ ‏(‏2‏)‏ إِلَهِ النَّاسِ ‏(‏3‏)‏ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ‏(‏4‏)‏ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ‏(‏5‏)‏ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏الوسواس‏}‏ اسم من أسماء الشيطان، وهو أيضاً ما توسوس به شهوات النفس وتسوله، وذلك هو الهواء الذي نهي المرء عن اتباعه وأمر بمعصيته والغضب الذي وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطرحه وتركه حين قال له رجل أوصني، فقال‏:‏ لا تغضب، قال زدني‏:‏ قال‏:‏ لا تغضب، وقوله‏:‏ ‏{‏الخناس‏}‏ معناه‏:‏ على عقبه المستتر أحياناً وذلك في الشيطان متمكن إذا ذكر العبد وتعوذ وتذكر فأبصر كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 201‏]‏، وإذا فرضنا ذلك في الشهوات والغضب ونحوه فهو يخنس يتذكر النفس اللوامة بلمة الملك وبأن الحياء يردع والإيمان يردع بقوة فتخنس تلك العوارض المتحركة وتنقمع عند من أعين بتوفيق، وقد اندرج هذان المعنيان من الوسواس في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏من الجنة والناس‏}‏ أي من الشياطين ونفس الإنسان، ويظهر أيضاً أن يكون قوله‏:‏ ‏{‏والناس‏}‏، يراد به من يوسوس بخدعه من البشر، ويدعو إلى الباطل، فهو في ذلك كالشيطان، وكلهم قرأ ‏{‏الناس‏}‏ غير ممالة، وروى الدوري عن الكسائي أنه أمال النون من ‏{‏الناس‏}‏ في حال الخفض ولا يميل في الرفع والنصب، وقالت عائشة رضي الله عنها‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه ونفث فهيما وقرأ‏:‏ ‏{‏قل هو الله أحد‏}‏ ‏[‏الإخلاص‏:‏ 1‏]‏ والمعوذتين، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، فيبدأ برأسه ووجهه وما أقبل من جسده، ففعل ذلك ثلاثاً، وقال قتادة رحمه الله‏:‏ إن من الناس شياطين ومن الجن شياطين، فتعوذوا بالله من شياطين الإنس والجن‏.‏